تعديل

الاثنين، 21 أغسطس 2017

نزهة لا تُملّ ..في تحفة أهل الكهف ..


لا أدري كيف مرّت كل تلك السنون من عمري..دون أن أقرأ أهل الكهف ..!
رائعةَ المبدع توفيق الحكيم التي تُرجمت إلى الفرنسية والألمانية، والتي أسهرت ليلي حتى مقربةٍ من مطلع الفجر، رُغم تضوري جوعاً للنوم ..لكن حقاً لم أستطعه قبل إنهائها!



كلنا يعلم أن النص الوحيد المتواتر والمتداول في إرثنا التاريخي للحكاية هو النص القرآني في سورة الكهف، وبعض من التفاصيل في التفسيرات وخلافه هي من إرث من سبقنا من الحكايات التي وردت في تراثهم تتحدث عن أولئك القوم النيام السبعة، الذين كانوا ثلاثةً رابعهم كلبهم في مسرحية توفيق الحكيم الكتابية.

حقّاً ..كم قرأنا سورة الكهف، لكن أغلبنا كان يعوم على السطح، دون أن يمتلك الجرأة للغوص في تخيّل تفاصيل القصة، تفاصيل الأحداث وردّات الفعل والحوارات، والانفعالات ..المشاعر التي اجتاحت القوم حين استيقظوا وهم على يقين تام في قرارات أنفسهم أنهم ما ناموا إلا يوماً أو بعض يوم! ثم الانقلابة المخيفة حينما تتبين لهم الحقيقة!

لم نتساءل يوماً إن كان الفتيّة حقاً مسرورين، راضيين ومطمئنين بما حدث لهم من سُبات طويل جداً أم أن هول الفكرة قد يعصف بكل شيء؟!
كيف كان اجتماعهم ..وما حقيقةُ إيمانهم ..! كيف مرّت الأحداث بكل فردٍ منهم بعد خروجه من الكهف ..بعد ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ..! ولماذا يا تُرى كانت هذه المدة بالتحديد دون غيرها؟!

الحكيم ..غاص في كل تلك التفاصيل وغيرها ..لا أدري هل كانت كلها من نسج خياله ..أم أنه استند لبعض الحكايات التاريخية وحكايات التراث ..


وبمناسبة حكايات التراث ..فقد روى الحكيم بطريقة بديعة، قطّعها على نصفين باحترافية روائية، قصة من التراث الياباني عن شاب يُدعى أوراشيما، عاش تجربة مماثلة، وغاب عن قومه أربعة قرون في (مملكة البحر).

السرّ في جمال ما خطّه الحكيم هو في إسقاطاته وإضاءاته الواقعية للقصة، وفي تعامله مع النفس الإنسانية وكأنه يتمثل أمامه الحوارات التي تدور في كل مشهد، حتى لكأني به نقل اختلاجات نفوسهم ورفّات قلوبهم ..وإيماءات وجوههم!
من وجهة نظري ..جاءت إضاءاتين بالتحديد، بمثابة الأكثر سطوعاً.
الأولى: القوة العظيمة للحب ..فهو أعظم الروابط قاطبةً ..ويحمل أبلغ الأسباب. فهو يمنح للحياة معنى إن حضر..أو ينزعه إن غابَ أو أشاح بوجهه.
كان هذا المعنى في التفاصيل التي عاشها كل واحد من الثلاثة ..
فأما الراعي يمليخا ..فكان أولهم انسحاباً إلى الكهف ..بعد قومته لأنه أدرك أن أغنامه التي تركها في مكان أمين -وكان هذا منتهى حبه- ما عاد لها وجود ..وانتهى رابطه مع الحياة بذهاب أغنامه، وبشعوره بالشذوذ عن الواقع والناس والتاريخ.



وأما الوزير مرنوش ..فقد كان يتحرّق شوقاً للقاء ولده وزوجته، ويحرص أيما حرص أن يعود بالهدية التي وعد ابنه بها ..



وآخرهم مشلينيا ..الذي لا يُطيق بعداً عن محبوبته ابنة الملك الوثني دقيانوس ..التي كانت على دينه، وكان الغرام بينهما هو الرابط الأشد والأقوى ..!






  
الثانية: هي التسليط الشديد الذي أسقطه الحكيم على عقول الفتية. كيف لها أن تستوعب حقيقة الانفصال عن التاريخ لثلاثة قرون ..ثم العودة إليه. كيف لعقلٍ بشري أن يُطيق هذا الأمر دون أن يتقاذفه الشك والإيمان، أو أن يشكّ هل هو في واقعٍ أم يسرح في خيالاتٍ من أحلامه!  
كيف يُمكن أن يراك الناس ..وكيف ترى أنت الناس لو مررت حقاً بهذا الأمر؟! أيُّ عقلٍ يستوعب!

ولذلك ..كانت من أعظم الرمزيّات قاطبةً التي وظّفها الحكيم، هي رمزية الكهف ..رمزيته كملجأ من الحياة الخارجة عن نطاق الاستيعاب والمألوف .. الحياة التي يصعب أن تندمج بها، فتشعر بالغربة ..وإن كان العنوان العام أنها بلدك وبلدتك ..! أن تختار العودة إليه –أي الكهف- بكامل اختيارك، بعد أن مُنحت هبّة قد يراها الناس عظيمة ..لكن لأنك فقدت عظيمَين رابط الحب ..ومنطق العقل ..!




تألق الحكيم في وضع المشهد الأخير ..مشهد العودة إلى الكهف ..مشهد الشك فيما عاشوه من أحداث ..حتى بدت لهم حلماً ..لا يمكن أن يكون حقيقة!
مشهد موت الراعي وهو لا يدري أهو ميّت أم حي ..مستيقظٌ أم نائم ..



مشهد موت مرنوش ..وهو يترنح بين الشك واليقين في إيمانه ..بل ربما مجرداً منه ..



وأخيراً المشهد الخرافي لموت مشلينيا على ذراعي بريسكا ..شبيهة محبوبته التي عاشت قبل ثلاثة قرون ..والتي وقع أخيراً في حبّها ..ثم اختيارها المجنون ..الذي وكأني بالحكيم يُجسد فيه المثل الشهير: "الحب أعمى ..يقوده الجنون".

على جود ريدز ..يمكن تقييم أي كتاب كحد أقصى بخمس نجوم ..أما هذا من الظلم تقييمه بأقل من 7 ..

رابط التحميل ..لمن يُحب الغوص .. وبالأسفل مجموعة منوّعة من الاقتباسات.


قراءة ممتعة ..




































السبت، 19 أغسطس 2017

في انتظار البرابرة ..يُقضى على الشعب قبل أن يراهم ..!



البرابرة ..الخطر الداهم الذي يُحدق بالامبراطورية .. 

الخطر ..الذي استدعى من الدولة استنفار قواتها ورجالات مكتبها الخاص للنفير إلى البلدة الحدودية المحاذية لأولئك الوحوش المرتبصين بأمن وثروات البلاد ..



البلدة أصبحت بالتالي تحت تصرف ما يُشبه الحكم العسكري .."بمقدراتها" وبسكانها ..
قاضي البلدة ..قضى بها زهاء ثلاثين عاماً ..سمع من أسلافه عن البرابرة لكنه لم يرَ شرّهم قبل ذلك ..

يقع في غرام إحدى البربريات الأسيرات ..ثم يبدو له أن يذهب بها إلى قومها ..وتنقلب بعدها الدوائر عليه

هو يرى أن بلدته قد وقعت ضحية بروباغندا الدولة وجيشها ..ضحية يتم استغلالها بفزّاعة البرابرة ..

استغرق الكاتب طويلاً في تفاصيل الأفكار التي تراود القاضي حول الجنس والنساء ..وقد يرى القارئ العابر أنه ابتذل كثيراً أو خرج عن النص ..

لكن ما أراه أنه يحاول أن يُصوّر أن الحياة الهانئة بالأفكار البسيطة السطحية جداً أحياناً ..والبعيدة عن الشعارات الرنّانة التي تُطلَق لبقاء الحاكم، لا للقضايا العُظمى الحقيقية ..والأخطار الداهمة الفعليّة، هي أهم حقاً من جهاد الدولة، حينما يكون المقصود الحقيقي من ورائه هو الشعب ..بمقدراته ..وباستسلامه لحاكمه ..الذي يرفع راية حمايته زوراً وبهتانا..

القاضي يرى فعلاً أن مشكلة وزنه الذي خسره في السجن ..وفي حياة الذل التي آل إليها ..وهمومه الجنسية ..أهم بكثير من تُرهات الدولة التي تحرق في سبيلها شبابها..وشعبها.
الجيش يُطارد أهدافاً وهمية ..يتيه في الصحاري ..ويهيم على وجهه في تتبع أُناس أبرياء ..رُحّل ..ويتساقط الجنود في هذه المهمة الشاقة بوعورة دروبها لا أكثر ..ويُنهك الشعب خوفاً ..ويترك منازله ومساكنه مع كل إشاعةٍ أو صيحة ..

ينتهي المطاف بمن بقي من الجنود فارّاً من هول المخاسر ..التي تكفّلت بها الطبيعة ..بسبب استبداد امبراطوريتهم بهم ..ناهبين ما يمكن نهبه من تلك البلدة سيئة الحظ ..

وهكذا ..يظل البرابرة شمّاعة مهيّئة في كل مرحلة من مراحل فتور الدولة ..وضيق شعبها بها، أو تململه من طول عمر ظلمها، لأن تكون الأداة الأمثل لتذكير الناس أن حامي حماهم يقظ لكل عدو متربص بهم ..تعلم الدولة خطره على مصائرهم ..من حيث لا يعلمون ..! 

البدائع والطرائف تحفة جبران خليل جبران



كم ترك الأديب الكبير نفسه على سجيّتها في هذا الكتاب ..الذي جمع فيه ألواناً متعددةً من الأدب ما بين المقالات، الخواطر، الشعر، الرسم حتى المسرحية والقصة القصيرة ..
وكأني به قد خصص ركناً في خلوته التي اقتطعها لقلمه ..ووضع فيها محبرته وأوراقه ..
فجعل من هذه الزاوية وذاك المحراب خلوةً للخلوة ..وصفوةً للصفوة ..يتلقى فيه وحي قلمه ..ويصطاد من خاطره في كشكوله ما تفيض به روحه ..فخرج بهذه البديعة ..

أودع فيها من السياسة والأدب ..وما أهمّه من أمر وطنه لبنان ..وحاله الذي يتلاعب به الساسة -لا يدري رحمه الله أن الكارثة ستمتد بعده إلى وقتنا هذا- فتجلى قهره في مقال: "لكم لبنانكم ولي لبناني" فخرج في أروع ما يكون من تعبير للعربي عن حاجته لوطنه ..وضيقه بأفعال الساسة .. 

وضع فواصله بين المواضيع المنوّعة من رسوماته بريشته لشخصيات تاريخية كالمتنبي والخنساء وابن خلدون وغيرهم ..




قبل هذا الكتاب بفترة بسيطة ..كنتُ قد تعرضت لقصيدة ابن سينا في النفس ..وعلى إثرها قرأت كتاب عباس العقاد عنه "الشيخ الرئيس" والتي لم يفت جبران أن يتعرض إليها ..بكامل إعجابه واعتناقه لها بمعانيها العميقة ..
لم يُخالف الدارسين في الثناء على عمق ابن سينا غير المسبوق ..بل وربما غير المتبوع ..فقد بلغ خفايا الروح عن طريق المادة ..
يقول جبران: 
"وليس من الغرائب صدور هذه القصيدة عن وجدان ابن سينا وهو نابغة زمانه، ولكن من الغرائب أن تكون مظهراً لرجل صرف عمره مستقصياً أسرار الأجسام ومزايا الهيولي. فكأني به وقد بلغ خفايا الروح عن طريق المادة وأدرك مكنونات المعقولات بواسطة المرئيات، فجاءت قصيدته هذه برهاناً نيّراً على أن العلم هو حياة العقل يتدرج بصاحبه من الاختبارات العملية إلى النظريات العقلية، إلى الشعور الروحي، إلى الله" 

ثم راح يُقارن ما أجمل ابن سينا في قصيدته، مع ما تفرّق في آراء الفلاسفة والمفكرين من بعده من أمثال شكسبير، تشلي، غوته، برانن، فوضع ابن سينا في قصيدة واحدة ما تقطع على أفكار في أزمنة مختلفة. 




وكان مما عرّج إليه أيضاً في كتابه، رأيه في اللهجات العاميّة ..وهل يجب أن يهجرها الناس للفصحى ..فتحدث بالأمثلة حول أنه لا يرى الضرورة التاريخية لذلك، إذا أن أدباء أبدعوا بالإيطالية الحديثة التي كانت تُعتبر عاميّة بالنسبة إلى اللاتينية المنقرضة ..
تحدث عن أن العاميّة تُهذب نفسها ..وتتخلص من الغث وتضع السمين وقد يُوجد أدب حديث بها دون خجل من ذلك ..
نظريته في وقته كانت له ما يؤيدها من قرائن وشواهد ..لكنه للأسف لم يُدرك زماننا الذي أصبحت فيه العامية وما تُستخدم له من فن أو أدب تتربع على عرش الابتذال والنحدار .. 
ميا ليته يعلم ..أنها -العاميّة- حقاً تحوّرت .. وتهذبت .. فخرجنا بمصطلحات وإبداعات فنية على طريقة .. "أديك في السقف تبحر"! و "أديك في الحارة سيجارة"! 
إي والله ..سقطت ذراعنا ..وما عدنا نقوى على التقاطها! 



من جماليات ما تطرّق إليه هو مسرحية إرم ذات العماد ..التي غاص فيها بين الشواهد المادية ..والقوى الإيمانية التي تصل بالمرء إلى كنوز الروح إن هو أيقن بها حق اليقين ..




ختم كتابه بمتنوعات متعددة من شعره ..الذي اعتمد فيه على تنوع القافية في كل بيتين أو ثلاثة بطريقة جمالية في انتقالية اللحن ..وهذه إحداها .. 





الكتاب جميل ..ويمكن قراءته بشكل متقطع إذ لا روابط تجمع موضوعاته ..
قراءة ممتعة .. 

الأحد، 13 أغسطس 2017

عين على الباهي ..عروة الزمان




عروة الزمان الباهي ..محمد فال أباه الذي عُرف بالباهي ..

سمّاه منيف زوربا العربي .. وقد أجاد التشبيه حقاً إلى حد ما .. 

في الحقيقة ..لم ينتهِ إليّ ..أن رجلاً كتب عن رجلٍ عاصره بهذه الحماسة ..وبتلك القوة والإعجاب الذي لا يُقارن! 

تحدث عبد الرحمن منيف بإسهاب عن نضال الباهي ..منشأه في شنقيط وتاريخه ..

مغامراته ..انتهاؤه في باريس ..صراعه بالفعل وبالكلمة ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر ..وتحشيد الرأي العام الفرنسي لدعم التوجهات التحررية للشعب الجزائري العظيم ..

ما توقفتُ عنده كثيراً وأصابني بالكآبة الحقيقية ..هو عندما عرّج منيف عمّا حدث للباهي من صدمة ..حينما بدأ صراع الثوار الجزائريون مع بعضهم البعض ..حتى قبل أن توضع الكعكعة على الطاولة ..! 

بدأ حاملوا السلاح يدعون الفضل لهم وحدهم وهم الأحق بالإرث ..وفي مواجهتهم أرباب الكلمة والرأي والصراع السياسي ..ثم احتجّ الأسرى والمعتقلون ومناضلوا السجون ..ليتبعهم من ناضل لإخراجهم ..ليكون صراعهم دمويّاً ..وليكتئب الباهي ويعود أدراجه إلى باريس ..التي تُحبب إلى قلبه مع الوقت ..ويحاول أن يزرع شيئاً من التهدئة من خلال مقالاته التي كان يرتقبها الجميع

المُحبط ..أن العقل العربي مصاب بهذا الداء في كل وقت ومكان كما يبدو، وهذا ما عوّل عليه الاحتلال الإسرائيلي حينما انسحب من قطعة الجبن الصغيرة جداً -غزة- ليترك للعقلية العربية دورها في أن تتكفل بخوض الصراع على هذا الفتات وتنسى الكعكعة الأكبر ..وتنسى القضية الأهم ..بل وتنحدر إلى صراع داخلي سقيم ما زالت آثاره تكوي في الشعب الفلسطيني حتى تاريخ كتابة هذه الكلمات ..! 

الباهي ..شخصية عميقة ..وعفوية ..
أرتبط مع تلك الشخصية بشكل رئيسي في خصلتين ..
الأولى أنه مولع بالشعر ..وليس بشاعر ..
والثانية ..أنه كثير التأجيل لمشاريع ينوي أن يقوم بها ..ومات ولم يفعل! 

الجمعة، 28 يوليو 2017

لمحة عابرة على رواية: "الجحيم" ..لدان براون ..





لا أدري كيف يمكن الكتابة لتوفيّة هذه الرواية حقّها ..
هي تُحفة ..تحفة أدبية ..وفنيّة ..وتاريخية ..وسياحية ..ومعمارية ..!
نعم ..جمعت كل ذلك معاً ..

فمن الناحية الأدبية ..والسرد الروائي، تميز الكاتب في التنقل والتأرجح بأحداث الرواية ..وكأنها سيمفونية تعلو وتهبط ..يشتد الإيقاع ثم يتباطئ ليعود للذروة مرةً أخرى ..

إضافة لذلك ..فقد جمع فيها ألواناً مختلفة من الروايات ..عنوانها الرئيس هو الغموض ..وتفاصيله الفرعية تحتوي على الرموز الفنية والمعمارية ..المغامرة ..النفس الإنسانية ..العقل المتقد ..اللامع ..أين ممكن أن يذهب بصاحبه في أجواء الجريمة بقواعد لعب علمية على طريقة البروفيسور موريارتي في روايات شيرلوك هولمز.

وهي فنيّة ..إذ لا يخلو فصل من فصولها تقريباً من ذكر للوحة أو نقوش ..وهي في الأساس قد قامت على نص الكوميديا الإلهية لدانتي أليغيري ..وعلى لوحة الجحيم لبوتاتشيلي .. الترجمة الفنية للنص، وفيها إشارات متعددة كما ذكرت للكثير من اللوحات والأعمال البارزة لرواد في الفن، كلوحة فاساري في قصر فيكيو ..التي كانت أحد المفاتيح الهامة في أحداث الرواية ..

وهي تاريخية ..إذ لا يمكن أن يمر ذكر لشخصيات غابرة ..عاش أغلبها في حقبة القرون الوسطى ..دون أن يترتب على ذلك الكثير من الإشارات التاريخية ..لأحداث أو شخوص ..من ملوك وفنّانين وغير ذلك ..

وهي سياحية ..إذ تجعل القارئ مشدوهاً بالوصف الدقيق الذي يُقدمه الكاتب لكل معلم يرد ذكره ..لكل طريق ..جسر ..حديقة ..كاتدرائية ..كنيسة ..مسجد بطريقة تشد القارئ وتُبهره ..وتجعل أحد أحلامه هي زيارة هذه الأماكن ..وقد كانت جولات الكاتب في ثلاث مدن: 
فلورنسا ..مهد الفنون والأدب..

البندقية -فينيسيا- المدينة العائمة التي يكفي وصفها بهذه الصفة لأن يجعلها حلم كل من يسمع بذلك، ناهيك عن المباني التاريخية ..

أسطنبول ..حاضرة الشرق والغرب ..التي جمعت بين ربيع بيزنطة ..وامبراطورية العثمانيين ..فأخرجت مزيج ما زال يُدهش العالم..

أخيراً معمارية..لأن الكاتب أسهب وأبدع في وصف في التفاصيل المعمارية لكل معلم بطريقة رائعة ..وقد تكون مُلهمة حقاً للمهندسين والمهتمين بدراسة إحداها على الأقل  بعد أن ينتهي من الرواية..
فقد كان يصف المعلم بتفاصيله، شكله، أعمدته ..أقواسه ..مداخله..سراديبه ..الفسيفساء ..النقوش ..وأحياناً يُبدي رأيه على لسان لانغدون بطل الرواية..وهو ما ينم عن خبرة عميقة لدى الكاتب ..

المزيج أعلاه هو العناوين الرئيسة ..تحتها تفصيل يستحق أن يُخاض غماره ..

كنت سأذكر أنني أتمنى لو أن يتم تأديتها في عمل سينمائي ..لكن تفاجأت أثناء بحثي عن صورة للمقال بأنه قد تم تمثيلها فعلاً في فيلم لتوم هانكس ..بعنوانها الأصلي بالانجليزية Inferno ..
وفي لحظات كتابة هذه الكلمات ..تتم عملية التحميل ..لتتويج القراءة بالمشاهدة ..رغم قناعاتي التامة أن الروايات هي الصورة الأكمل والأجمل للعمل الفني من الأعمال السينمائية التي تقتضب وتقتضم الكثير في طريقها .. 

قراءة ممتعة .. :) 

الخميس، 13 يوليو 2017

مراجعة كتاب "الشيخ الرئيس" لعباس العقاد ..







نعم ..قيّمته بالخمسة نجوم ...

فعلتُ ذلك رغم المعاناة التي استغرقها مني هذا الكتاب في محاولات فهمه ولمّ تراكيبه ..! 
وكنتُ لأفعل ذلك دون قرائته حتى ..بمجرد أن يكون كاتبه العقاد ومحتوى حديثه عن الشيخ الرئيس ابن سينا ..
حقيقةً ..لم أكن أعرف الكثير عن ذلك المبدع ..العقل الذي لم يتكرر -ابن سينا- سوى من الإشارات البسيطة أيام الدراسة ..
أما قيمته الفلسفية ..وقامته العلمية ..فأوقفني هذا الكتاب على كثير من ومضاتها ..
تخيّلوا أن الشيخ الرئيس الذي اشتُهر بين أوساطنا بتفوقه وبراعته في الطب، كان يرى الطب علماً سهلاً ..وبلغ فيه مرتبة المبدعين وهو ابن الحادية والعشرين، حيث عالج ابن الأمير، وكان له صيتاً ..
على هامش الكتاب في نهايته، في نهايته يذكر العقاد بعضاً من حذاقته في الطب، واستخدامه للحلول التي تنضوي على ذكاء باهر ..! 
أما موضوع الكتاب الرئيس ..فهو الحديث عن فلسفة الشيخ الرئيس ..
ابتدأ العقاد من الحديث عن مكان نشأته، وعن الفلسفات التي أثرت في ذلك المكان في ذلك الوقت، من سقراط، أفلاطون، أرسطو، أفلوطين، الفارابي، الإسكندر الأفروديسي وفرفريوس .. والتي اعتقد أنها كوّنت أو وصلت إلى ابن سينا ..فأثرت في فلسفتها أو اشتركت معه ..وذلك ليوضح كذلك إسهامات ابن سينا وأين زاد على آرائهم ..
مع كل فيلسوف ..لخّص العقاد آراءه في: 

1- وجود العالم
2- النفس
3- الحرية الإنسانية (القضاء والقدر)
4- الخير والشر 

وفي الحقيقة ..كانت طريقة طرح مميزة ..لكن رغم أنه ملخص ..إلا أن التعقيد والصعوبة في فهم ما يُطرح كان سيد الموقف! 
معروف عن العقاد صعوبة الأسلوب والتراكيب ..فكيف إذا اجتمع العقاد مع النقل الفلسفي ..!!! 

بالتأكيد هذه العناوين هي العناوين الرئيسة لأي نقاش فلسفي ..قديم ..ولفت انتباهي أن كثيراً منها كان مبنيّا على رؤية قديمة للعالم والأفلاك ..التي كانوا ينظرون إليها على أنها عقول سيّارة في الكون، لأجد أن العقاد قد علّق على هذا الأمر وأدلى بدلوه في آخر الكتاب .. 

من فلسفة ابن سينا التي ساقها العقّاد ..لفت انتباهي أنها تقوم على شيء من القسرية في الوجود ..وجود الإنسان
يقوم مذهبه في العالم ..وبالتالي في الحرية الإنسانية ..على أن الأشياء "ممكنة الوجود" سبقت في علم الله فأصبحت واجبة الوجود ..بغيرها 
فهي إذن ممكنة بذاتها ..واجبة بغيرها ..أو بين مزدوجين بإرادة غيرها 
ومعنى هذا أن لا خيار للإنسان في وجوده ..ولا خيار له فيما يُبدى من أحداث يعيشها ..أو يقوم بها .. 
يقول ابن سينا في رسالة المعاد: 
" إن مجيئنا إلى هذا العالم لم يكن باختيارنا وإرادتنا ولكن جئنا وبالقهر نمكث وبالقهر نخرج وإنما
جئنا بها للتمحيص والتطهير"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الأشياء الغريبة التي لفتت نظري في الفلسفات القديمة ..أنها كانت تملك فكرة تقسيم الكائنات العلوية إلى مستويات من العقول ..فيقول العقاد في شرح هذه الفكرة عن ابن سينا ومن سبقوه في نفس القول:

"فالمحرك الأول قد صدر عنه محرك الفلك الأعظم، وهو العقل الأول.
والعقل الأول صدر عنه الفلك الأعظم والعقل الثاني.
وهكذا إلى العقل التاسع، ثم العقل الفعال وهو العقل العاشر الذي يسيطر على
العالم الأرضي وما تحت فلك القمر، وعنه تصدر النفوس والأجسام في عالم الإنسان." 

وهي رؤيا تتفق من وجهة نظري في المنظور القديم للعالم والسماوات والأفلاك كما تقدم الذكر ..حيث تنظر للكون على أنه سماوات سبع كالطبقات ..وهو ما يُخالف بالتأكيد ما كشف عنه العلم الحديث ..ولهذه النقطة عودة مع رأي العقاد في نهاية الكتاب .. 

ولا يمكن أن نحكي مما حكاه العقاد عن مذهب ابن سينا ..دون أن نُشير إلى رؤيته للنفس .. 




يرى ابن سينا أن النفس صدرت عن كيان علوي طاهر ..وأنها هبطت إلى الحياة المادية والعالم الإنساني فتلوثت بنقص المادة، فأصبحت النفس في سجنها الجديد المكبّل بالنقص في صراع ومحاولة مستمرة للعودة للمعارج العليا التي هبطت منها ..رغم أنها في بعض أحيانها تغفل عن ذلك بسبب انجذابها لشهوات الجسد التي تجرها للعالم السفلي ..
يقول ابن سينا في قصيدة من أروع ما قرأت ..حول النفس ..

هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ
وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّـــعِ
مَحْجُوبَةٌ عَنْ مُقْلَةِ كُلِّ عَارِفٍ
وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِ
وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرُبَّمَا
كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفَجُّعِ
أَنِفَتْ وَمَا أَلِفَتْ فَلَمَّا وَاصَلَتْ
أَنِسَتْ مُجَاوَرَةَ الخَرَابِ البَلْقَـعِ

وللقصيدة بقية يمكن العودة إليها .. 

في نهاية الكتاب ..يُعرّج العقاد إلى مهارته في الطب كما ذكرت ..وبراعته في الأدب ويذكر كيف كان موقفاً واحداً سبباً لانكبابه على اللغة لثلاث سنوات حتى فاق ذلك الرجل الذي نفى عنه إمكاناته اللغوية في أحد مجالس الأمير ..

ثم يُدافع العقاد عن عقيدة الشيخ الرئيس ..وأنه كان مؤمناً ..ويناقش ما نُسب إليه من أشعار في مناجاة لعطارد وخلافه، وأنها نبعت من فلسفاته ونظرته لفكرة تدرج عقول الأفلاك العلوية ابتداءً .. 

في نهاية الكتاب ..يُدلي العقاد بدلوه فيما ذكره من فلسفات ..ويُشير إلى الفكرة التي تحدثت عنها من أن تلك الفلسفات بُنيت على نظرة قديمة للعالم لا تتفق وما وصلت إليه العلوم الحديثة، لكنه يذكر ويؤكد في المقابل أن الأسس ثابتة، ويمكن استخدامها من قبل الفلاسفة المحدثين، وهو ما يحدث وحدث ..
إضافة لذلك ..ناقش العقاد ما طرحه طيلة الكتاب من آراء الفلاسفة المختلفين حول اتصال العقل والمادة، حيث قالوا جميعهم باستحالة اتصالهما

"فإنهم جزموا بأن هذا الاتصال مستحيل بغير واسطة. ونحن لا ندري من أين
جاءت هذه الاستحالة إذا كنا لا نعرف ماهية العقل على التحقيق ولا ماهية المادة على
التحقق؟ وعندنا أن القول بأن العقل يؤثر في المادة أيسر جدٍّا من القول بأن الكائنات في
وجود واحد تتألف من أصلين متناقضين أو منعزلين، وأن التأثير بينهما معدوم."

ختاماً ..ما أريد أن أذكره قد يُثير العواصف -إن أكمل أحد قراءة مراجعتي حتى النهاية - ولكن ما لفت انتباهي في كل الفلسفات هو أنها في نقاشها لباب الخير والشر، تفترض أن الخير مطلق ..وهو صادر بالضرورة عن واجب الوجود ..وعن العلّة الأولى -الإله- في المقابل فإن الشر حادث، وصادر عن العالم الذي هو ممكن الوجود ..وبه النقص ..ومحدود ..فيصدر عنه الشر كنقيض للخير في طريقه نحو الذات العليا المجردة ..والمقدسة في محاولة تحقيق الكمال ..
السؤال ..كيف افترض الفلاسفة هذه الفرضية .. ؟!

وبمعنى آخر ..وصريح:

ماذا لو بنينا على الشر ما افترضناه للخيرية ..بمعنى ما الدافع أو السبب للفرضية الأولى بأن الكون قائم في أساسه على الخير المطلق ..وأن الشر محدود ..؟ 
ماذا لو كان الإله شريراً ..؟!
من قام بتحديد هذا العرف؟ ومن يملك الحق في ذلك؟! 

هي ليست بالتأكيد أسئلة كفرية ..بقدر ما هو تأثر فلسفي بما نوقش في هذا الكتاب.. ولكن انطلاقاً من مبدأ الخير كما ذكرت ..لكن أعتقد من وجهة نظري المتواضعة أن ما تسائلت به كان يجب أن يكون المبحث والسؤال الأول .. 

حينما بدأت في كتابة المراجعة ..تصورت أنني سأكتب هذين السطرين وأمضي: 
"لم أفهم شيء ..سأعاود قراءته مرة أخرى وأعود" 
لكن حقيقةً ..تفاجئت بحجم ما كتبت ..ولم أعد للكتاب إلى مرة أو مرتين للاقتباسات التي أوردتها ..ذلك أنني لم أكن أتخطى صفحة منه دون أن أحاول أني أعي تماماً ما قيل ولو استغرقت الصفحة يوماً كاملاً ..أو اضطررت لإعادتها عشر مرات ..لا فرق ..فاستغرق كتاب من 74 صفحة ..ما يستغرقه كتاب آخر أو رواية من 400 صفحة على أقل تقدير ..! 

في كل الأحوال ..ما زال تقييمي أنني لم أفهمه تماماً ويحتاج إلى عودة مرة أخرى ..أو قراءة ما هو على شاكلته 
وحقيقةً ..أشعر برغبة في نشر هذه المراجعة ..دون مراجعة لأرى كيف ستخرج وهل ستحمل من متناقضات؟!! 

ودمتم فلاسفة :) 







الجمعة، 7 يوليو 2017

حينما ترى الفصام المجتمعي في قضية واحدة ..في دقائق معدودة!


من مظاهر الانفصام المجتمعي المثير للشفقة ..حوار كالذي دار في طريق العودة الطويل اليوم، وكميات التحليلات والآراء والقصص التي تبادلها الركاب حول المرأة، والمقاصد التحليلية وراء ما يحدث أحياناً في سيارات النقل العمومي من طلب البنت مثلاً لراكب بجانب السائق أن يتنازل لها عن مقعده، أو حينما تضع فتاة شنطتها حاجز بينها وبين راكب ..أو عن نوايا السائقين ..وحوارات وقصص حقيقةً تُخبرك عن حجم المأساة التي يعيشها المجتمع المكبوت فكرياً وجنسياً ..من كلا الجنسين ..لأن مجرد طرح هذه التفاصيل كقضايا تستحق النقاش ..يعني أننا ما زلنا لا نرى الدرجة الأولى في سلم النشوء والارتقاء نحو مجتمع نجح في التخلص من عقده ..وإرث الكبت المقيت ..



ليت الحوار توقف عند هذا الحد والإطار ..لكان أهون والله ..لكن تحولّت الدفة بعد أن عرّجوا على أن أحد أهم أزمات المرأة النفسية هي الجلوس الطويل في البيت دون متنفس ..ثم انتقل المسار بشكل دراماتيكي نحو وضع غزة الخالي من المرافق وأماكن التنزه ..وأنه السبب الرئيس أن الرجل لا يقوم بمهامه بالـ"الترفيه عن العائلة" على أكمل وجه..لينتهي الأمر بتمني الركاب جميعهم أن تتحول غزة لما يشبه أوروبا! إلا واحد استدرك الأمر بالتراجع في الأمنية ..خوفاً من استنساخ فكرة "المجتمع الأوروبي الإباحي" .. 
كنتُ سأقطع صمتي الطويل عند هذا التحول الأخير لولا أني أوشكت على الوصول ..والنزول ..ولولا يقيني بأن ما سأدلي به سيحتاج لوقت أطول لإيضاحه مكتملاً غير منقوص ..حتى لا يُحمل في غير محامله، ولربطه بحوارهم السابق الطويل .. 
الفكرة هي حينما تتمنى حياةً أوروبية كأرض ومدن وتفاصيل مبناها الحجر والشجر، وتُغفل أن العقل الذي يعتبر المرأة بحد ذاتها أزمة ..ولم تصل لمرحلة الإنسان المستقل بعد ..هو فعلاً الأزمة الحقيقية ..وأنه غير جاهز للتجربة الأوروبية التي قامت على احترام الحريّات كحجر أساس ..ومنها حرية المرأة كإنسان مستقل غير مرتبط برؤى الأب والأخ والزوج والابن ومفهوم الوصاية عليها ..المستمر إلى ما لا نهاية .. وهذا هو مربط الانفصام ..


الكارثة هي حينما تتحدث مثلاً عن الاستفادة من التجربة الأوروبية ..بعنوان عام ..فيكون تفصيل التجربة عند المستمع هو "المجتمع الإباحي" ..! وهذا في الحقيقة انعكاس لأزمة الشخص نفسه وعقدة الكبت المخيف التي توارثتها الأجيال، لأن في أوروبا أشياء كثيرة للاستفادة في الاقتصاد والمؤسسات والسياسة والحياة الاجتماعية وخلافه ..ليس ضمن هذه القائمة التي نطرحها بالتأكيد نقل التجربة الإباحية للمجتمع! 
بالمناسبة ..لأن المحور الحقيقي هو العقل ..فكثير ممن هاجر لدول أوروبية واستقر بها ..أتحفونا بفيديوهات ندم أليم وتحذير أخ لأخيه المسكين ..بأن لا ينخدع بالحجر والشجر ..لأنه لن يستطيع أن يتماشى ويتماهي مع المحيط ..وهذا يؤكد ما أشرت له أعلاه من عدم جاهزية العقل العربي لكثير من المفاهيم العصرية والحداثية لاكتفائه بتقييم المظهر عن بعد ..ابتداءً ..


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More