تعديل

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات كتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات كتب. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 7 فبراير 2018

نصف مليون دقيقة في أستراليا ..حينما تتذوق الحروف


 


أؤمن تماماً أن للكتب مذاقات تتشابه في سلوكها مع الناس ..صعوداً وهبوطاً .. حتى أن منها ما هو خفيف على النفس يُحلّق مع الروح وبها .. ومنها ما هو ثقيل لا يأتي ذكره إلا واستحضرتَ ثقل ظلّه! 

هذا الكتاب من الكتب التي لا تتركها لبعض شأنك إلا وأنت تتلهف للعودة إليها ..

هو من أدب الرحلات الذي دوّن فيه صلاح طنطاوي تجربته في الهجرة إلى أستراليا .. وكيف استقبل الحياة واستقبلته فيها ..فابتدأت معه من عكس التوقعات الشائعة أن جنةً كانت في انتظاره! 

شدتني شخيصته التي لا تعرف الاستقرار ولا تميل إليه أو تُحبذه ..وربما شاركني وشاركته في "سرعة الملل" والبحث عن جديد .. لكنه ذهب في ذلك مذهباً لم أسمع قبلاً بمثله .. فهو لا يكاد يصل للنجاح في وظيفة ولشيء من الثبات وربما حتى المتعة .. حتى يتركها ويستقيل باحثاً عن غيرها ..!

تأرجح وتقلّب في دقائقه النصف مليون .. من عامل في مخازن ..إلى أفندي في مصلحة بريد ..ثم  رسام في شركة تُقدم خدماتها ممثلَة في رسومات هندسية لشركات أخرى .. وبين تلكم الفرص التي أصابها العديد من الحكايات والمحاولات التي ارتدت عليه سهامه تنبئه بفشل المحاولة .. 

 
لكن ورغم أنه قضى وقتاً ممتعاً في الأخيرة .. إلا أن زيارة  "شيطان الهدم" كما كان يُطلق عليه، كان لها رأيٌ آخر ..يدفعه في اتجاه تقديم استقالته من هذا العمل الجميل والمريح ..!! وله في هذه الطريقة نظرية بديعة أذكرها لاحقاً في هذه المراجعة ..

بالتوازي مع بداياته في أستراليا.. خامرته الفكرة العظيمة بإنشاء فرقة "أضواء القاهرة" للفن المسرحي الذي حُرم منه في زمانه 50 ألف مهاجر عربي إلى أستراليا ..وهي من اللمسات التي أضفاها لمجتمع من المهاجرين العرب استخفهم الحنين دون أن يجدوا لهذا الظمأ من راوٍ .. فكانت هذه الحالة أحد أهم أسباب نجاحه الباهر ..

الجميل .. أنني ومن وصفه لتفاصيل تجربته مع المسرح وكيفية صناعة الفكرة من جذورها، من تكوين الفرقة وحتى النصوص والبروفات والجدية في التنفيذ، شعرتُ أنها الحياة التي تنتمي له وينتمي لها .. وتُخرج طاقاته في أبهى صورها .. 
أفرد صفحات وصف فيها شيئاً من أستراليا في وقت هجرته إليها عام 1967، وحكى في سياق ذلك قصة نشأتها .. ولشد ما كان تعجبي حينما ذكر أن هذه الدولة التي باتت اليوم مطمح ومطمع الملايين من الراغبين في الهجرة من شتى بقاع العالم، نشأت على أيدي "المجرمين" المنفيين من بريطانيا .. والتي كانت مملكة عُظمى في ذلك الوقت، استغلت بُعد القارة عنها والمسافة الرهيبة التي تفصلها عنها، للتخلص من الآلاف منهم .. إما بموتهم في الطريق التي كانوا يُلاقون فيها أشد العذابات .. أو أن تنتهي بهم الحال في تلك الأرض "البور" فتتقاذفهم الأقدار..!

لكن .. يحدث أن تتفوق الإرادة على القدر ..تلك الأرض استفزت فيهم روح البقاء وجوهر الإنسانية الذي أضاعوه في بقاعٍ أخرى، فزرعوها وعمّروها .. إلى أن جاء اليوم الذي قالوا فيه لبريطانيا "كفى" ولم يستقبل مجتمعهم المدني مزيداً من المجرمين .. ممن قد يُفسد عليهم مدنيتهم، فاتجهت المملكة في 1767م لأن تبحث عن منفى جديد .. الذي لم يكن سوى أمريكا ..! وكانت مناسبة سردية طنطاوي أنه كان فيها في 1967 في الوقت الذي كان يحتفل فيه الأستراليون بمرور مائتي عام على توقف تصدير المجرمين إلى أراضيهم!

غريب حقاً أن يبني المجرمون حضارات عُظمى .. ومدنيات يشهد لها القاصي والداني ويفشل فيها أقوام يدعون أنهم خير من تسعى بهم قدمُ ..رغم أنهم -وفي ازدواجية عجيبة- لا يُفوّتون فرصة ترك أوطانهم المحطمة ليُهاجروا إلى تلك البلاد التي بناها المجرمون ليتمتعوا بحقوقهم الإنسانية التي أُهدرت على تراب الوطن. أليس أمراً يدفع للجنون .. على الأقل على الصعيد الفكري! 

بالعودة لطنطاوي ..فقد حقق نجاحاً مميزاً في مسرحه ..الذي بدأه في كنيسة لعدم امتلاكه ثمن استئجار واحداً ..فرحبت به كنيسة سيدة لبنان التي أدى فيها بروفاته مع فرقته المتواضعة والتي كونها بشيء من الصعوبة ومن أفراد من المهاجرين ليس لهم خبرة في التمثيل .. وكان أن عرض مسرحيته الأولى "سيد درويش" بعد ذلك في كنيسة جميع الأديان بعد أن أكل الحزن فؤاد الأب بوليس خوري بفقدانه أعزاء من كنيسة سيدة لبنان .. ثم جاءت مسرحيته الثانية "روض الفرج" بعد النجاح الباهر للأولى، وهي عن قصة لنجيب محفوظ .. وكتب هو -أي صلاح طنطاوي- نصها المسرحي .. وحينما حان وقت العرض استأجر مسرحاً .. بعد أن أصبح لفرقته صيت جيد يُشجع على ذلك .. وبعد أن امتلك ابتداءً ما يكفي لهذه المهمة من مال .. 


كان قد استقال من عمله السابق كما أسلفت، واستغرق ثلاثة أسابيع ليجد عملاً جديداً كمأمور للضرائب ..بعد أن استحكم به اليأس وظن أنه يدفع ثمن جنونه .. ورغم انسجامه في العمل في الضرائب ورضاه بالعائد ..ورغم أن فرقته الفنية باتت ذات صيت رائع .. إلا أن نظريته العجيبة بأنه: 

"في الوقت الذي تبلغ فيه النجاح والاستقرار ..ليس عليك سوى انتظار الموت"

كانت إحدى خصائصه الغريبة والمميّزة في آن .. وكأني بحكمته في الحياة قد استقاها من الشطر الثاني من بيت خالد للمعتمد بن عبّاد:   

 فالعقل عندي أن تزولَ عقولُ!

قرر أن يترك كل ذلك ويعود إلى مصر بعد حوار مهم مع شيطانه المتخصص في الهدم ..ليبدأ من الصفر .. فهو يرى أنه في كل مرة يبتدئ فيها المرء من الصفر يفتتح شباباً جديداً وطاقةً جديدة يمكنها تأجيل فكرة الموت .. 

حقاً ..يا لها من روح رائعة لا تعترف بالروتين ولا بالحياة الخالية من الإثارة والجديد .. ولولا الزمان والمكان الذي خطّته الأقدار لكنتُ منها .. وكانت مني ..!

الجمعة، 15 سبتمبر 2017

مصر ليست أمي ..دي مرات أبويا




يجمع الكتاب بين دِفتيه مجموعة من المقالات التي نشرها الكاتب الساخر ..من الطراز النادر أسامة غريب في صحيفة المصري اليوم، تناولت غالبيتها حالة الانحدار والسحق التاريخي الذي وصل إليه الإنسان في مصر (وينطبق من وجهة نظري على أغلب العالم العربي)  .. 



ولعمري ..لقد نكأ الكتاب الألم العربي في أوجع صوره .. ووضع أمام ناظريّ مقارنة عجيبة تشبه في إحدى أشكالها ميكانزم التبادل الحراري ..أو قل الانتشار الاسموزي .. بين واقع بلدتي البائسة غزة .. وبلده المنكوب مصر ..لكن المفارقة أن العنصر المتبادل ليس هو الحرارة ولا الأملاح ..بل الانحدار الإنساني في ظل حكومات مشوّهة لم تعرف من الحكم سوى تحقيق المغانم الشخصية .. وليحترق الوطن ..الذي أغرقْنا الدنيا بشعارات نصرته! 

أدركتُ غزة في الماضي في ظروف كانت أفضل بكثير مما تعيشه حالياً ..وربما لا أُغالي إن قلت أن الناس كانوا طبقة وسطى وطبقة عليا في الغالبية العظمى ..وهذا للأسف الشديد في عهد الاحتلال، وكذلك إلى حدٍ ما فيما تلاه من حكم السلطة الفلسطينية لبضعة سنوات ..ثم بدأ الانحدار بعد دخول الانتفاضة ..ليتواصل ويُحقق المزيد من "التدني" بتسارعٍ أعلى.. بعد الانتخابات ..فيتمدد ولا يتوقف يوماً واحداً حتى لحظات كتابة هذه السطور..! 


يُسلّط الكاتب الضوء على إحدى أهم جوانب الحياة اليومية في مصر، وهي مشاكل الازدحام والاختناقات المرورية، والأداء الحكومي في التعامل مع الأزمة، وحل إشكاليتها، بحيث تضع تركيزها في رفع الغرامات على السائقين والسيارات في إدعاء أنها طريقة مجدية وناجعة جداً لفرض القانون وضبط الحالة المرورية..بدلاً من نشره بطريقة حضارية تجعله يتحول إلى أخلاق ..لا إلى لعنة تلاحق الجيوب، فيتحول الشعب إلى مطاردين مطلوبين للجباية!
يسوق الكاتب مثالاً على أن لدى الحكومة الإمكانية الحقيقية لفرض القانون عندما ترغب في ذلك، وفي غضون فترة قليلة جداً، حينما يستشه بقصة صفقة حزامات الأمان التي جلبها أحد المسئولين ..فما كان من الدولة إلا أن هبّت لمساندته بتطبيق قانون ربط حزام الأمان لتُلزم به مصر خلال أسبوع ..تنتهي بعدها المتابعة لسير القانون بانتهاء الكمية ..وتعود أحزمة السيارات إلى مجاريها! 

ولعمري مرةً اخرى ..إني أتلمّس هذا في الأزمات التي عصفت بغزة، على رأسها أزمة الكهرباء التي فاقت كل حد ..فتدفقت على إثرها كل الحلول للسوق المحلية من لمبات الكاز ..ومولدات تعمل بالديزل ..وكشافات بتقنية الـLED، وأجهزة الـUPS، ومولدات صغيرة للأحياء بأسعار فاحشة لكيلو الكهرباء .. وليس انتهاءً بأنظمة الطاقة الشمسية ..! ورائحة البيزنس الحكومي لا تكاد تفارق الحكاية ..! 

تحدث كذلك عن الصعود السريع والغريب لأشخاص لا يملكون تاريخاً سياسياً أو نضالياً ..أو مهنياً -كأضعف الإيمان!. 
هؤلاء الأشخاص غير المؤهلين لإدارة حديقة، يدفعون بأدائهم -إن صح تسميته بذلك- الشعوب إلى أن تتحسر على أيام السابقين، رغم أنهم لم يكونوا في حالة رضا تام عنهم! وهذه أيضاً إحدى المصائب التي أصابتنا فيها العدوى كذلك ..! 

تحدث عن كفاح الشباب ..ليبني كل واحدٍ منهما نفسه بنفسه بعيداً عن تقصير الحكومة اللامتناهي ..وضرب حكاية ممدوح مونتجومري كمثال على هذا البؤس .. 
وقد بلغ بنا الأمر ..ما بلغ بمونتجومري حينما نرى الحكومة العاجزة تحاول فرض النظام على شباب بائس يعاني حتى يجد عربة صغيرة يصنع عليها الشاي أو القهوة، والذرة "للغلابا"، أو ينجح في الحصول على بعض البضائع فيسعى لبيعها في أي سوق وعلى أي رصيف من أرصفة الوطن، فما يكون من الحكومة إلا أن تكافحه بشدة، وكأنه حشرة أضرّت بالمظهر العام للبلد، وأثرّ على حركة السياحة! فتصادر ما يملك بحجة فرض القانون ..دون أن يكون لها القدرة على توفير بدائل كريمة له، ودون أن يُدركوا أن ما يمارسونه هو قتل يومي لبقايا الإنسان ولأبسط أحلام الشباب ..! 


وكان مما انتقده كذلك ..وزراء ومسئولي الكارت ..أو ما نسميّهم عندنا "الباراشوت" ..ممن خربشوا الكارت على طريقة "اكشط واربح" فوجدوا أنفسهم وزراء ومسئولين عن أرواح العباد ..دونما تدرج أو مسئولية ..
ممدوح مونتجومري كان له رأي غريب وجميل في أولئك القوم، فهو لا يرى داعي للحنق أو الغضب من أدائهم!  

تحدث الكاتب عن الكثير ..والكثير ..من التخبط في العلاقات السياسية ..إلى قمع الحريّات التي تتم على أيدي مطحونين لأناس مطحونين .. تحدث عن سحق الموظفين العمومين، الذين هم عماد الدولة، وما تم من عملية قتل وتصفية لضمائرهم والتي أودت بهم إلى الفساد الإداري والرشوة وغيره نتيجة الفاقة المدقعة -ليس مبرر لكنه بالضرورة سبب تفاقم- كل ذلك وغيره وجدته قد أصابنا حتى أسميتُها عملية تمصير غزة ..لكن يا ليته بمحاكاة ما كان فيها من جمال ..بل باقتباس جوانب التعاسة ..والتعاسة فقط ..! 

أما الجانب الآخر ..والذي رأيته يتسرب من بلدتي التي أُصيبت بشتى أنواع الأدواء ..إلى مصر وإلى غيرها من الدول العربية ..هو داء العنصرية والحزبية والتعصب الأعمى ..
عِشتُ في مصر شيء بسيط من طفولتي ..وأذكر أنني احببتها حقاً ..ذلك أنني شعرتُ بالحنين واختلاف الحياة (للأسوأ) حينما تغيّرت طباع الناس من حولي ..من مصر إلى غزة ..
مصر حيث الحب ..والناس البسطاء ..والنفوس الصافية ..حيث لا نزْعات فتح وحماس وتكفيري وخلافه ..باتت حالياً مصابة بمثل ما أصابنا بل ربما لمستوى أسوأ .. وما ممارسة الردح على الفضائيات -مما كنّا ولا زلنا نراه بين مسئوليّنا- عنّا ببعيد ..! 
ولشد ما كانت صدمتي أن رأيتُ ما يُماثله كذلك في الشعب السوري ..جسدته دراما "بقعة ضوء" التي كانت وما زالت تعكس الحالة السورية منذ سنين .. سوريا الجمال كذلك ..؟! يا لشدة بؤسنا! 
وكأنّي بالعالم العربي لا يتبادل أو يُصدّر سوى التعاسة والبؤس والسوء..في عملية انتشار غير ميمونة ..تُشبه الانتشار الاسموزي الذي اخترته للتشبيه ابتداءً ..! 

وبرغم كل المآسي والتبعات للعنة أن تكون عربي والتي ذُكر شيء منها أعلاه، اللعنة التي تلاحق حياتك اليومية ..والتي رغم حضورها الدائم تُحاول أن تصنع فيها شيئاً بديعاً ..أن تعيش الجمال ..الحب ..تبتعد عمّا ينغصك ..إلا أنها تأبى إلا أن تلاحقك مهما وضعتَ بينك وبينها حواجز ومصدات ..

على كلٍ .. رغم أن حوالي 90% أو أكثر من المقالات التي كتبها غريب كانت حول الأزمات ...إلا أنه لم ينس نصيبه من الحب .. 
ولتلطيف الجرعة المخيفة من البؤس أعلاه، أقتبس بعض ما ورد فيه، وما ذكر عن التقاط التوليفات! في "الحب والوقت ..من يقتل من؟" 












الاثنين، 21 أغسطس 2017

نزهة لا تُملّ ..في تحفة أهل الكهف ..


لا أدري كيف مرّت كل تلك السنون من عمري..دون أن أقرأ أهل الكهف ..!
رائعةَ المبدع توفيق الحكيم التي تُرجمت إلى الفرنسية والألمانية، والتي أسهرت ليلي حتى مقربةٍ من مطلع الفجر، رُغم تضوري جوعاً للنوم ..لكن حقاً لم أستطعه قبل إنهائها!



كلنا يعلم أن النص الوحيد المتواتر والمتداول في إرثنا التاريخي للحكاية هو النص القرآني في سورة الكهف، وبعض من التفاصيل في التفسيرات وخلافه هي من إرث من سبقنا من الحكايات التي وردت في تراثهم تتحدث عن أولئك القوم النيام السبعة، الذين كانوا ثلاثةً رابعهم كلبهم في مسرحية توفيق الحكيم الكتابية.

حقّاً ..كم قرأنا سورة الكهف، لكن أغلبنا كان يعوم على السطح، دون أن يمتلك الجرأة للغوص في تخيّل تفاصيل القصة، تفاصيل الأحداث وردّات الفعل والحوارات، والانفعالات ..المشاعر التي اجتاحت القوم حين استيقظوا وهم على يقين تام في قرارات أنفسهم أنهم ما ناموا إلا يوماً أو بعض يوم! ثم الانقلابة المخيفة حينما تتبين لهم الحقيقة!

لم نتساءل يوماً إن كان الفتيّة حقاً مسرورين، راضيين ومطمئنين بما حدث لهم من سُبات طويل جداً أم أن هول الفكرة قد يعصف بكل شيء؟!
كيف كان اجتماعهم ..وما حقيقةُ إيمانهم ..! كيف مرّت الأحداث بكل فردٍ منهم بعد خروجه من الكهف ..بعد ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ..! ولماذا يا تُرى كانت هذه المدة بالتحديد دون غيرها؟!

الحكيم ..غاص في كل تلك التفاصيل وغيرها ..لا أدري هل كانت كلها من نسج خياله ..أم أنه استند لبعض الحكايات التاريخية وحكايات التراث ..


وبمناسبة حكايات التراث ..فقد روى الحكيم بطريقة بديعة، قطّعها على نصفين باحترافية روائية، قصة من التراث الياباني عن شاب يُدعى أوراشيما، عاش تجربة مماثلة، وغاب عن قومه أربعة قرون في (مملكة البحر).

السرّ في جمال ما خطّه الحكيم هو في إسقاطاته وإضاءاته الواقعية للقصة، وفي تعامله مع النفس الإنسانية وكأنه يتمثل أمامه الحوارات التي تدور في كل مشهد، حتى لكأني به نقل اختلاجات نفوسهم ورفّات قلوبهم ..وإيماءات وجوههم!
من وجهة نظري ..جاءت إضاءاتين بالتحديد، بمثابة الأكثر سطوعاً.
الأولى: القوة العظيمة للحب ..فهو أعظم الروابط قاطبةً ..ويحمل أبلغ الأسباب. فهو يمنح للحياة معنى إن حضر..أو ينزعه إن غابَ أو أشاح بوجهه.
كان هذا المعنى في التفاصيل التي عاشها كل واحد من الثلاثة ..
فأما الراعي يمليخا ..فكان أولهم انسحاباً إلى الكهف ..بعد قومته لأنه أدرك أن أغنامه التي تركها في مكان أمين -وكان هذا منتهى حبه- ما عاد لها وجود ..وانتهى رابطه مع الحياة بذهاب أغنامه، وبشعوره بالشذوذ عن الواقع والناس والتاريخ.



وأما الوزير مرنوش ..فقد كان يتحرّق شوقاً للقاء ولده وزوجته، ويحرص أيما حرص أن يعود بالهدية التي وعد ابنه بها ..



وآخرهم مشلينيا ..الذي لا يُطيق بعداً عن محبوبته ابنة الملك الوثني دقيانوس ..التي كانت على دينه، وكان الغرام بينهما هو الرابط الأشد والأقوى ..!






  
الثانية: هي التسليط الشديد الذي أسقطه الحكيم على عقول الفتية. كيف لها أن تستوعب حقيقة الانفصال عن التاريخ لثلاثة قرون ..ثم العودة إليه. كيف لعقلٍ بشري أن يُطيق هذا الأمر دون أن يتقاذفه الشك والإيمان، أو أن يشكّ هل هو في واقعٍ أم يسرح في خيالاتٍ من أحلامه!  
كيف يُمكن أن يراك الناس ..وكيف ترى أنت الناس لو مررت حقاً بهذا الأمر؟! أيُّ عقلٍ يستوعب!

ولذلك ..كانت من أعظم الرمزيّات قاطبةً التي وظّفها الحكيم، هي رمزية الكهف ..رمزيته كملجأ من الحياة الخارجة عن نطاق الاستيعاب والمألوف .. الحياة التي يصعب أن تندمج بها، فتشعر بالغربة ..وإن كان العنوان العام أنها بلدك وبلدتك ..! أن تختار العودة إليه –أي الكهف- بكامل اختيارك، بعد أن مُنحت هبّة قد يراها الناس عظيمة ..لكن لأنك فقدت عظيمَين رابط الحب ..ومنطق العقل ..!




تألق الحكيم في وضع المشهد الأخير ..مشهد العودة إلى الكهف ..مشهد الشك فيما عاشوه من أحداث ..حتى بدت لهم حلماً ..لا يمكن أن يكون حقيقة!
مشهد موت الراعي وهو لا يدري أهو ميّت أم حي ..مستيقظٌ أم نائم ..



مشهد موت مرنوش ..وهو يترنح بين الشك واليقين في إيمانه ..بل ربما مجرداً منه ..



وأخيراً المشهد الخرافي لموت مشلينيا على ذراعي بريسكا ..شبيهة محبوبته التي عاشت قبل ثلاثة قرون ..والتي وقع أخيراً في حبّها ..ثم اختيارها المجنون ..الذي وكأني بالحكيم يُجسد فيه المثل الشهير: "الحب أعمى ..يقوده الجنون".

على جود ريدز ..يمكن تقييم أي كتاب كحد أقصى بخمس نجوم ..أما هذا من الظلم تقييمه بأقل من 7 ..

رابط التحميل ..لمن يُحب الغوص .. وبالأسفل مجموعة منوّعة من الاقتباسات.


قراءة ممتعة ..




































السبت، 19 أغسطس 2017

في انتظار البرابرة ..يُقضى على الشعب قبل أن يراهم ..!



البرابرة ..الخطر الداهم الذي يُحدق بالامبراطورية .. 

الخطر ..الذي استدعى من الدولة استنفار قواتها ورجالات مكتبها الخاص للنفير إلى البلدة الحدودية المحاذية لأولئك الوحوش المرتبصين بأمن وثروات البلاد ..



البلدة أصبحت بالتالي تحت تصرف ما يُشبه الحكم العسكري .."بمقدراتها" وبسكانها ..
قاضي البلدة ..قضى بها زهاء ثلاثين عاماً ..سمع من أسلافه عن البرابرة لكنه لم يرَ شرّهم قبل ذلك ..

يقع في غرام إحدى البربريات الأسيرات ..ثم يبدو له أن يذهب بها إلى قومها ..وتنقلب بعدها الدوائر عليه

هو يرى أن بلدته قد وقعت ضحية بروباغندا الدولة وجيشها ..ضحية يتم استغلالها بفزّاعة البرابرة ..

استغرق الكاتب طويلاً في تفاصيل الأفكار التي تراود القاضي حول الجنس والنساء ..وقد يرى القارئ العابر أنه ابتذل كثيراً أو خرج عن النص ..

لكن ما أراه أنه يحاول أن يُصوّر أن الحياة الهانئة بالأفكار البسيطة السطحية جداً أحياناً ..والبعيدة عن الشعارات الرنّانة التي تُطلَق لبقاء الحاكم، لا للقضايا العُظمى الحقيقية ..والأخطار الداهمة الفعليّة، هي أهم حقاً من جهاد الدولة، حينما يكون المقصود الحقيقي من ورائه هو الشعب ..بمقدراته ..وباستسلامه لحاكمه ..الذي يرفع راية حمايته زوراً وبهتانا..

القاضي يرى فعلاً أن مشكلة وزنه الذي خسره في السجن ..وفي حياة الذل التي آل إليها ..وهمومه الجنسية ..أهم بكثير من تُرهات الدولة التي تحرق في سبيلها شبابها..وشعبها.
الجيش يُطارد أهدافاً وهمية ..يتيه في الصحاري ..ويهيم على وجهه في تتبع أُناس أبرياء ..رُحّل ..ويتساقط الجنود في هذه المهمة الشاقة بوعورة دروبها لا أكثر ..ويُنهك الشعب خوفاً ..ويترك منازله ومساكنه مع كل إشاعةٍ أو صيحة ..

ينتهي المطاف بمن بقي من الجنود فارّاً من هول المخاسر ..التي تكفّلت بها الطبيعة ..بسبب استبداد امبراطوريتهم بهم ..ناهبين ما يمكن نهبه من تلك البلدة سيئة الحظ ..

وهكذا ..يظل البرابرة شمّاعة مهيّئة في كل مرحلة من مراحل فتور الدولة ..وضيق شعبها بها، أو تململه من طول عمر ظلمها، لأن تكون الأداة الأمثل لتذكير الناس أن حامي حماهم يقظ لكل عدو متربص بهم ..تعلم الدولة خطره على مصائرهم ..من حيث لا يعلمون ..! 

البدائع والطرائف تحفة جبران خليل جبران



كم ترك الأديب الكبير نفسه على سجيّتها في هذا الكتاب ..الذي جمع فيه ألواناً متعددةً من الأدب ما بين المقالات، الخواطر، الشعر، الرسم حتى المسرحية والقصة القصيرة ..
وكأني به قد خصص ركناً في خلوته التي اقتطعها لقلمه ..ووضع فيها محبرته وأوراقه ..
فجعل من هذه الزاوية وذاك المحراب خلوةً للخلوة ..وصفوةً للصفوة ..يتلقى فيه وحي قلمه ..ويصطاد من خاطره في كشكوله ما تفيض به روحه ..فخرج بهذه البديعة ..

أودع فيها من السياسة والأدب ..وما أهمّه من أمر وطنه لبنان ..وحاله الذي يتلاعب به الساسة -لا يدري رحمه الله أن الكارثة ستمتد بعده إلى وقتنا هذا- فتجلى قهره في مقال: "لكم لبنانكم ولي لبناني" فخرج في أروع ما يكون من تعبير للعربي عن حاجته لوطنه ..وضيقه بأفعال الساسة .. 

وضع فواصله بين المواضيع المنوّعة من رسوماته بريشته لشخصيات تاريخية كالمتنبي والخنساء وابن خلدون وغيرهم ..




قبل هذا الكتاب بفترة بسيطة ..كنتُ قد تعرضت لقصيدة ابن سينا في النفس ..وعلى إثرها قرأت كتاب عباس العقاد عنه "الشيخ الرئيس" والتي لم يفت جبران أن يتعرض إليها ..بكامل إعجابه واعتناقه لها بمعانيها العميقة ..
لم يُخالف الدارسين في الثناء على عمق ابن سينا غير المسبوق ..بل وربما غير المتبوع ..فقد بلغ خفايا الروح عن طريق المادة ..
يقول جبران: 
"وليس من الغرائب صدور هذه القصيدة عن وجدان ابن سينا وهو نابغة زمانه، ولكن من الغرائب أن تكون مظهراً لرجل صرف عمره مستقصياً أسرار الأجسام ومزايا الهيولي. فكأني به وقد بلغ خفايا الروح عن طريق المادة وأدرك مكنونات المعقولات بواسطة المرئيات، فجاءت قصيدته هذه برهاناً نيّراً على أن العلم هو حياة العقل يتدرج بصاحبه من الاختبارات العملية إلى النظريات العقلية، إلى الشعور الروحي، إلى الله" 

ثم راح يُقارن ما أجمل ابن سينا في قصيدته، مع ما تفرّق في آراء الفلاسفة والمفكرين من بعده من أمثال شكسبير، تشلي، غوته، برانن، فوضع ابن سينا في قصيدة واحدة ما تقطع على أفكار في أزمنة مختلفة. 




وكان مما عرّج إليه أيضاً في كتابه، رأيه في اللهجات العاميّة ..وهل يجب أن يهجرها الناس للفصحى ..فتحدث بالأمثلة حول أنه لا يرى الضرورة التاريخية لذلك، إذا أن أدباء أبدعوا بالإيطالية الحديثة التي كانت تُعتبر عاميّة بالنسبة إلى اللاتينية المنقرضة ..
تحدث عن أن العاميّة تُهذب نفسها ..وتتخلص من الغث وتضع السمين وقد يُوجد أدب حديث بها دون خجل من ذلك ..
نظريته في وقته كانت له ما يؤيدها من قرائن وشواهد ..لكنه للأسف لم يُدرك زماننا الذي أصبحت فيه العامية وما تُستخدم له من فن أو أدب تتربع على عرش الابتذال والنحدار .. 
ميا ليته يعلم ..أنها -العاميّة- حقاً تحوّرت .. وتهذبت .. فخرجنا بمصطلحات وإبداعات فنية على طريقة .. "أديك في السقف تبحر"! و "أديك في الحارة سيجارة"! 
إي والله ..سقطت ذراعنا ..وما عدنا نقوى على التقاطها! 



من جماليات ما تطرّق إليه هو مسرحية إرم ذات العماد ..التي غاص فيها بين الشواهد المادية ..والقوى الإيمانية التي تصل بالمرء إلى كنوز الروح إن هو أيقن بها حق اليقين ..




ختم كتابه بمتنوعات متعددة من شعره ..الذي اعتمد فيه على تنوع القافية في كل بيتين أو ثلاثة بطريقة جمالية في انتقالية اللحن ..وهذه إحداها .. 





الكتاب جميل ..ويمكن قراءته بشكل متقطع إذ لا روابط تجمع موضوعاته ..
قراءة ممتعة .. 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More