تعديل

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات، تدوينات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات، تدوينات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017

قطط أم قراصنة ..؟!


تناقل الرواةُ أن سرعة الانترنت في غزة تتمتع بسرعة تفوق "الرهْوان*" ..! 

وحدثني من أثقُ بحديثه أن فاتورة الهاتف تحمل معها قسْراً وحصراً رسْم أو مكْس فتح النافذة، ليتسنى لك التقاط نصيبك من القطرات من شركة تُدعى "مزوّد خدمة"، وهي باختصار كيان يؤدي وظيفة "الماريونيت" ..والدليل أنك لا تشعر بأي اختلاف أو تباين في سرعة تلك "الخيل" ولو طُفتها تباعاً ماريونيتاً ..ماريونيتاً! 

عين المؤامرة الكونية تتمثل في عمليات المضاعفة المستمرة للسرعات، والتي لا تزيد من الانترنت إلا بؤساً ..وانقطاعاً ..فترى ال16 ميجا ويكأنها 516 كيلو في السرعة الأداء .. واعجبي! 

وقد روى الشعراء في ذلك أقوالاً، فورد عن امرؤ النت قوله: 


أرقامُ سُرعات والوهمُ موضعها *** كالسلحفاةِ تحاكي سرعةَ الفهدِ 


أما المتنبئ بالمأساة فقال: 


لا تُوصلُ النتَ إلا والأسى معه *** إنّ (السمانَ**) لأنجاسٌ مناكيدُ 


العجيب ..أن أسعار تلك الخدمات حقاً مرتفعة جداً مقارنة بأقوامٍ آخرين، أما الأعجب فهو مهارات القطط السمان في زيادة حصتهم من دمائك تحت بنود "الحملات"، ثم بعد ذلك كله لا تلتفت إلى التفاصيل فيما يخص تحصيل ثمار عمليات القرصنة التي لا تنقطع ..المهم هو قطعك أو تقطيعك في رواية أخرى ..!





وعلى سبيل المثال فقد تدحرجت في قطعك بأساليبها الابتزازية التي هي دائماً باقية ..وتتمدد، فكانت تقطع رأس الخدمة بعد ثلاث فواتير، ثم اثنتين بعد إنذارات وتذكيرات تستغرق أسبوع لكل من الخدمتين، الهاتف والانترنت، أما الآن فقد اقتربت من أوج السباق فلا تنتظرإلا 24 ساعة بعد رسالة التحذير شديدة اللهجة: "ادفع وإلا" ولا يعنيها أن تُجدول التحصيل مع رواتب الموظفين مثلاً بأن تنتظر فقط أياماً معدوداتٍ ثم لتفعل ما بدا لها، في ذلك الموظف الذي لا يتوقف أحد ليتنظره قليلاً.

المزعج حقيقةً أنها تدحرجت في تضييق السوار في الوقت الذي زاد فيه الضيق على الجميع، وكأنها ليست جزء من الشعب ولا تهتم بمعاناته، وهذا لعمري من أعجب ما سخرت منه الأقدار! 

أما الأوْج المنتظر، فهو أنك قريباً قد تدفع ثمن الخدمة قبل الحصول عليها، على طريقة القطة جوال .. 


ـــــــــــــــــــــــــــــ
* رهْوان: من رهْو، وهو الساكن اللين، يُقال: افعل ذلك رهْواً أي ساكناً على هينتك، وجاءت الخيل رهواً: متتابعة لينة، المصدر: المعجم الوسيط.
** السمان، يقصد القطط السمان، وهو اللقب الذي اشتُهرت به شركات مصاصي الدماء في عصره




الخميس، 29 يونيو 2017

ماذا يعني حكم ..؟ غزة كدراسة حالة ..

بعد ظهور المدنية وانتقال الإنسان من حالة التوحش، وحياة الجمع والالتقاط، إلى تكوين المجتمعات والتجمعات والقرى، فالمدن، ثم دول وأنظمة حكم، ظهرت الأفكار والقواعد التي تُنظّم وترسم أساليب الحكم، وتطورت منذ فجر المدنية وحتى تاريخه.

ومن أبجديات الحكم بأبسط أشكاله المعروفة في عصرنا الحالي، والتي درسها وتعلمها كل شخص مرّ بالمراحل الدراسية الأساسية، هي وجود شعب، ووجود بقعة أرض يعيش عليها هذا الشعب. ثم وجود هيئات وسلطات حكم تتمثل في شكل تنفيذي، وآخر برلماني، وثالث قضائي ..وربما أفردنا بالذكر الشكل الرئاسي لاعتبارات عربية.

ومن البديهيات أن تكون هذه الأشكال والهيئات الممثلة للحكم، مجتمعة مع الشعب في نفس البقعة الجغرافية، ترعى شئونه وتنظم حياته، وتقوم على احتياجاته، وتحفظ أوضاع البلاد الأمنية، والسياسية، وتنتشر قواتها الدفاعية المتمثلة في الجيش على الحدود وفي القواعد والثكنات لتأمين البلاد من أي اعتداء خارجي.

في غزة، الأمور لا يمكن تصنيفها أو وضعها تحت مجهر الفحص والدراسة لمعرفة كينونة وشكل الحكم، ووضعه في تعريف يجمع خصائصه فيُصبح بذلك أنموذج قابل للنقل وإطلاع الآخرين على حقيقته.




ففي هذه البقعة الجغرافية ذات المساحة الضيقة والمحدودة جداً –حوالي 365 كم- تحكم حركة حماس القطاع منذ عام 2007 بعد أن سيطرت بقوة السلاح على المقرات الأمنية للسلطة، حيث اتهمتها الأولى بعرقلة العملية الديموقراطية التي أفرزت فوزها عام 2006.

الشكل المفرز من الحكم بعد هذا الانقلاب هو حالة ليست لها أي سابقة تاريخية، على حد علمي. فالسلطة التي انحصر نفوذها الحقيقي على الضفة الغربية، استمرت قائمة على كثير من نواحي الحياة في قطاع غزة –البقعة التي فقدت سيطرتها الأمنية والعسكرية عليها- أبرزها رواتب موظفيها، مصاريف أساسية في الكهرباء متعلقة بضريبة الوقود الخاص بالمحطة وثمن الكهرباء المزودة من الجانب الإسرائيلي والمصري، والجزء الأهم والأكبر من مصاريف وزارة الصحة –العلاج في الخارج- ورواتب ذوي الأسرى والشهداء والجرحى، وخلافه من التغطيات المالية التي استمرت في توفير نفقاتها.

في المقابل، بدأت حركة حماس في عمليات استيعاب موظفين جدد، لتغطية العجز الذي حدث بالتزام الغالبية من موظفي السلطة لبيوتهم بناءً على تعليمات من السلطة، وأيضاً استمراراً للاحتياجات الطبيعية للعمل الحكومي والوظيفي. وبالتالي بدأ يتنامى جزء من النفقات تتحمل أعباؤه حركة حماس، كحركة تدير القطاع أو لنقل "حزب حاكم" لقطاع غزة.

هذه الحالة من الانقسام السياسي، والجغرافي أساساً، خلقت أمام الفرقاء خيارين لا ثالث لهما مع مرور الوقت وتعمق الفجوة، هو إما لم الشمل على أسس واضحة، وإعادة لُحمة سياسية و"إدارية" لطرفي الوطن، أو فراق لا لقاء بعده، لا بد أن يقع مهما طال الوقت. ولا يخفى على أي متابع ما حدث من محاولة لم شمل في 2014 ..انتهت بالفشل الذريع، والسبب الرئيس من وجهة نظري هو ضبابية الأسس التي تم بناءً عليها الاتفاق، إضافة لأن الاتفاق كان بمثابة تخلص من كابوس إدارة قطاع غزة من قبل حركة حماس المحاصرة مالياً، خصوصاً بعد سقوط مرسي، وتقطع أوتار العلاقات مع إيران.

في وقت سابق لهذا الاتفاق، كانت الحالة في غزة هي حالة وجود وزراء للوزارات، استمدوا شرعيتهم من حالة التعنت والتأرجح القائمة بين الطرفين بين اعتراف أو نزع الشرعية عن امتداد حكومة هنية، التي استمرت في غزة بعد أحداث 2007. أما بعد تشكيل حكومة الوفاق والاتفاق بين الطرفين على شرعيتها، ثم حالة الفراغ التي حدثت في غزة من الوزراء، دون ملئ لهذا الفراغ من قبل حكومة الوفاق، نتيجة سجالات بين الطرفين على قضايا مختلفة، أهمها رواتب موظفي غزة الذين تم تعيينهم إبان حكم حكومة هنية –المقالة 2007-2014-، كل ذلك انتهى بتثبيت هذا الفراغ في غزة، خصوصاً بعد حرب تموز 2014، وفشل كل المحاولات التي تلتها لتسلم حكومة الوفاق زمام الأمور في غزة.

كان متوقعاً مع الوقت عودة زمام الشكل الرسمي للحكم –وجود وزراء- لحركة حماس في غزة، وازدياد عمق الفجوة بين رام الله وغزة. لكن الشكل الذي خرجت به حركة حماس كان عبارة عن لجنة إدارية، يكون أعضاؤها بمثابة وزراء على الوزارات الرئيسة والمفصلية في القطاع. في المقابل حذرت رام الله من أن هذه الخطوة خطيرة سيتبعها إجراءات صارمة من طرفهم بحق القطاع، لإجبار حماس على حل اللجنة الإدارية وتسليم زمام الأمور في القطاع للسلطة الوطنية. 

مرحلة الصراع القديم الجديد بين الفرقاء هذه المرة اتخذت منحى صعب للغاية، لأن حصاده المباشر على رأس الشعب بتعميق الأزمات القائمة فعلاً في احتياجاته اليومية. حيث بدأت رام الله برفع يدها عن الكثير من الالتزامات ..أبرزها تقليص رواتب الموظفين التابعين لها منذ ما قبل 2007، تقليص النفقات الخاصة بالكهرباء، وأخيراً وليس آخراً ..تقليص النفقات الخاصة بالمرضى ذوي الاحتياج للعلاج خارج البلاد أو خارج غزة كأضعف الإيمان.

السؤال المطروح الآن ..أو الأسئلة ..

أولاً: نتفق أن الصراع اتخذ منحى يجوز تصنيفه "غير أخلاقي" ..وإن كان الهدف المعلن أخلاقي –توحيد شطري الوطن بأي ثمن- لكن الثمن باهظ، وصعب تقبله.

ثانياً: استناداً على ما ذُكر أعلاه من الشكل الطبيعي للحكم، في أبسط صوره ، يكون المصير الحادث حالياً أمر طبيعي على صعوبته، وهو أنه على الجهة التي تبسط نفوذها على بقعة جغرافية، خاصة النفوذ الأمني، والآخر المتعلق بالدفاع عن الحدود، من المنطقي جداً ..جداً ..أن تتكفل بحلّ مسألة باقي الاحتياجات الحياتية للشعب الذي يقع في نفس البقعة الجغرافية ..التي تسيطر عليها، ومن الطبيعي جداً أن لا يستمر المنافس في التوفية بأي التزامات لبقعة لا يملك عليها نفوذاً. وبالتي النهاية المنطقية، هي إما الالتزام من قبل الحزب الحاكم للقطاع ببقية المناحي الحياتية، أو تخلية ساحة "النفوذ" للجهة التي كانت تُكملها.

الآن ..هذا الرأي بالتأكيد لن يُعجب الكثيرين، والسبب من وجهة نظري هو إيمانهم بالفكرة المتعلقة بإلزام المنافس أو المخالف بأنهم على حق مطلق وعليه تأدية الواجب لهذا الحق. بمعنى آخر وانطلاقاً من هذا المنطق الأرسطوطاليسي:

-         المقاومة المسلحة واجب شرعي ووطني مقدس وهي حق مطلق لا يمكن إعادة النظر فيه (مقدمة كبرى).
-         حركة حماس حركة مقاومة إسلامية مسلحة (مقدمة صغرى).
-         إذن حركة حماس حق مطلق.

ويترتب على ذلك بالتأكيد اعتبار الخصم، وإن كان خصماً فكرياً وسياسياً، ملزَماً بالإذعان لاحتياجات ومتطلبات هذا الحق المطلق. لكن الشيء الذي أغفله أرباب هذه الطريقة من الدفاع، أنه لا يوجد حق مطلق في هذه الحياة، فكل تيار أو فكْر أو شخص يرى نفسه قد وُلد على الحق المبين، وأن على العالم اتباع طريقته لينجو في الدنيا والآخرة. ويحضرني في هذا المقام كلمات طرقت آذاني أثناء مروري من أمام مسجد، وفيه شيخ يُلقي درساً، كان يقول لحظتها: "اليهود على باطل، وعارفين إنهم على باطل وإنهم حيروحوا النار، وعارفين إنه احنا على حق ..عشان هيك ...كيت كيت كيت ..."  

حقيقةً ..لا أستطيع أن أستوعب أن يعرف إنسان ويستقين أنه ذاهب إلى النار نتيجة لخياره ..ثم يصرّ على خياره. ويحضرني في المقابل اعتراف لأحد الملحدين –وهو مقتنع بإلحاده، وهو يقول: "لو كان عندي يقين 1% إنه في نار وجهنم، كان زماني داعش، أنا أصلاً بخاف من الفار ..مش حأخاف من النار؟!"

وهذا حقيقةً عين المنطق، اتفقت أو اختلفت معه، ففكرة وقوع اليقين بعذاب أليم، ليست سهلة، وبالتأكيد يترتب عليها اختلاف لتوجهات الإنسان وخياراته.

وبهذه الأمثلة التي وإن ابتعدت قليلاً عن المشكلة الواقعية، إلا أنها توضح أن فكرة تحويل وجهات النظر لحق مطلق – حتى وإن تبيّن في الحياة الآخرة أنه قد كان صاحب الحق المطلق فهو يبقى شيء غيبي لا يصلح لمقاييس الدنيا- لا تُبرر إلزامك للمخالف بأن يُعطيك هذا الاعتراف.

وبالتالي ..الذي أريد أن أصله كختام، هو أن امتلاك النفوذ الأمني والسياسي ..والدفاعي على بقعة جغرافية ..يستلزم من مالكه الجاهزية للإيفاء بكافة التزامات المجتمع الذي يحكمه، وليس المعنى فيه مطالبة بالاكتفاء الذاتي، فحتى دول عربية "مستقلة" لا تفعل، لكن امتلاك القدرة الإدارية على توفير احتياجات الشعب دون الحاجة لمناصب إدارية أخرى خارج هذه البقعة لحل إشكاليات منطقة لا تملك عليها أيّة نفوذ على الأرض، وبالتالي تُصبح والشعب تحت رحمة تقلبات الدهر!





الخميس، 30 مارس 2017

خدعونا مبكراً -النظام التعليمي-








منذ دخولنا لعالم الدراسة والنظام التعليمي الغريب الذي وللأسف لا نستطيع العبور إلى الحياة في منظومتنا وعالمنا العربي إلا من خلاله ..ونحن نألفه بقالب ثابت يكاد يُجمع على طريقة واحدة تصفه، عفا عليها الزمان في الدول التي تهتم بالإنسان ..


ومما يجمعنا عربياً في الفشل وفي الخدعة هو أن أرباب التعليم أوهمونا أن النجاح في الحياة يتم من خلال دراسة الكيمياء والفيزياء والأحياء والرياضيات ..وغيرها من الكم العلمي الذي يتم "حشوه" خلال سنيّ الدراسة الثنتي عشر -الطويييلة جداً- وخلال تلك الأعوام الطويلة يكاد لا يُعطى أي هامش يُذكر لمهارات ومواهب كالرسم والرياضة والفن والموسيقى والغناء والشعر وغيرهم من التي يُصبح مُتقنيها الأكثر شهرةً وثراءً وإبداعاً على مستوى مرموق جداً .. 
ما يحدث هو على العكس انعدام للاهتمام بها ما يجعلها شيئاً عابراً في حياة من امتلك شيئاً أو بذرةً منها .. 



فعلى سبيل المثال، كانت حصة الرياضة عادةً ما تكون واحدة فقط في الأسبوع وتوضع في آخر الجدول اليومي بحيث يُفضل ويميل غالبية الطلاب للعودة لمنازلهم بعد اليوم المرهق بدلاً من "تعلم" أو ممارسة الرياضة ..أما إن كانت في مكان متوسط من اليوم فلا تعدو عن أن تكون امتداد لما كنّا نمارسه من كرة قدم بقوانين الشارع ..



والأصل أن تكون أكثر من حصة ..وأن تكون تعليمية ومتعددة لا أن تقتصر فقط على كرة القدم ..ولا أبالغ إن قلت أنه يجب أن يكون للرياضة طاقم متكامل مختص في عديد من الفروع من كرة القدم والسلة والطائرة ..وحتى تمارين السويدي وابتكاراتها التي لا تنتهي ..



أما في الخط العربي والذي يُعد أحد فروع وطرق الفن، فكانت له كراسة مرفقة في كل عام، وكانت حصته -إن تم تخصيص واحدة- هي للاستغلال لتكملة العجز في الحصص الأخرى من نحو وقراءة وغيرها، أو إن سمح الوقت، فممارسة النسخ لمحتوى الكراسة دون أي نوع من التوجيهات ..

أذكر أنني كنت من أصحاب الخط المتواضع جداً، وكانت نقطة اعتراض أساتذتي الدائمة لأنه أنسب لمستوايا العلمي خط جميل يليق به ..
حتى الصف السادس الابتدائي ..استمرت المشكلة ..إلى أن رزقنا الله بمُدرّسة جعلت حصة الخط ..حصة مخصصة حقاً للخط وتعليمه ..وكانت مبادرة ذاتية منها ..أي أنها حالة لا تصلح للتعميم بأي حالٍ من الأحوال .. 
وكانت مفاجأة لي على صعيدي الشخصي أن للكتابة قواعد وأصول يمكن نقلها فعلاً وتعليمها للطلاب ..وكفيلة بتحسين من الخط بصورة ملحوظة ليصبح مقبولاً..
لا زلت أحتفظ بأحد دفاتري -لمادة الجغرافيا- من ذلك العام ..وفيه مساحة تُظهر التحسن بين المرحلتين ما قبل حصة الخط تلك، وما بعدها: 


  







ولم تكن حصة الرسم من السابقيين ببعيد ..فكانت تُعطى لأي مدرس لديه مساحة من الفراغ .. بغض النظر عن تخصصه، فإما أن تكون للدردشة ..أو للرسم بناءً على ما لدينا من معرفة، لم نحصل عليها أصلاً ..! 
لكن ..وكما الخط ..أذكر في إحدى السنوات ..وتحديداً الثالث الإعدادي ..كان مدرس الرسم مختص بالرسم وله لوحات فنيّة جميلة ..
وكما الخط أيضاً ..كان التخصص له أثره، فأدخل في الحصة ألوان "الغواش" وتعلمنا على يديه بعض المهارات والتقنيات التي تعطي مخرجات جمالية .. 

لذا ..في الحالتين الماضيتين رد مستبق على من قد يقول بأن تلك مواهب لا دخل للتعليم فيها ..والرد الآخر هو أنه كيف تُكتشف الموهبة دون استثارتها ..بل كيف تُنمى دون أن تُفتح لها الآفاق ..! 

تلك الجوانب الجميلة ليست بالضرورة أن تؤتي ثمارها بتخريج كل الطلاب فنّانين ولاعبي كرة قدم أو رياضيين مشهورين ..أو من أهل الموسيقى والفنّ ..بل الجمال الكامن فيها هي ما تخلقه داخلهم من روح محلّقة ..ومن ارتفاع في هرمون الإنسانية .. 

 أما المصيبة الأعظم فهي ليست أن تلك الجوانب الجميلة كانت طي الإهمال التام ..لأن التركيز كان على تخريج جهابذة ومحترفين في المواد العلمية والأدبية ..بل حتى تلك كانت حشواً متواصلاً ..وتلقيناً لا ينتهي ..دون أي مِسحة من الإبداع أو التجديد ..

المشكلة باختصار في أنظمتنا "التعليمية" أنها ليست تعليمية على الإطلاق ..ائتوني بحالات أصلحت فيها المدرسة حال طلاب ورفعت من مستواهم التحصيلي ..؟!

العلم كان يُحصلّه بالطريقة المتبعّة أصحاب الإمكانيات والمواهب فقط، وكانوا معدودين ..أما بقية الطلاب فكانوا ضحية وفريسة لهذا النظام القاتل للعقول ..وبالتالي من الظلم للعلم أن نسميّه نظاماً تعليمياً ..بل نظاماً تمريرياً ..أو نقلياً ..لا أكثر ..فرسالة التعليم السامية هي خلق الإنسان والسمو به ليجد حقيقة نفسه وإمكاناته..

والحديث في هذا الجانب تحديداً يطول ..لكن باختصار ..تجاوزت الدول المتقدمة مرحلة التقليدية ..إلى التخصصية منذ مراحل مبكرة، فأصبح اكتشاف ميول واهتمامات الطالب كل كحالة منفردة، هو المقياس الأهم للانطلاق مع الطالب والتركيز على الاتجاهات التي تحمل أعلى احتمالية لإبداعه .. 

ختاماً ..في إصلاح التعليم حقاً إصلاح لكافة نواحينا العربية المتآكلة من الاجتماعية ..وانتهاءً بالسياسية ..أما كل محاولات تغيير رأس الهرم الحالية لن تؤتي ثمارها في ظل المنظومات التي تُكرر نفسها ..بل وتنحدر إلى "مزيد" من القاع! 


الأحد، 29 يناير 2017

بين التوكل ..والإيمان بالأسباب






قد يتعجب الكثيرون من جرأةٍ في العنوان "الإيمان بالأسباب" ..لكن وقبل أن أبدأ في مقصدي، الأصل أن يشفع له "بين"، وهذا للتوضيح لا أكثر. 

من وجهة نظري، من أهم الأزمات والفجوات بين الغرب وما وصل إليه، وبين العرب وما انحدروا إليه هو هذه القناعة تحديداً. فالغرب، بماديته بلغ إيمانه بالأسباب منتهاه، بأنها هي المفسّر الوحيد لكل شيء، وأن أي غاية تود أن تصلها، لابد أن تسلك لها أسبابها الموصلة إليها، وبغير ذلك لن تصل ..ولن تفعل ذلك صلواتك ودعواتك ..ولو أنفقت في ذلك عمرك كله...وهذا حق وواقع بشكل لا يُمكن إنكاره بالجملة!

في المقابل، ما زال العديد من المسلمين مشدودين أكثر ناحية "النظرة السحرية" للعالم، وأنه ربما تأتي كارثةٌ ما فتمحو أعداءَهم ..أو يصب الله عليهم من غضبه بالأمراض والأوجاع ..إلخ من الدعوات التي تُطلق منذ مئات السنين من ترميل نساءهم وتيتيم أطفالهم ..وضرب ظالميهم بعضهم ببعض ..وأن نخرج نحن من ذلك سالمين غانمين ..غير خزايا ولا محرومين! 

طبعاً ..بغض النظر عن أن كل ذلك يخالف فكرة: "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين" ..وأنه نوع من التوحش المذموم إنسانياً ..والمرفوض بـ"ألف باء" الأخلاق ..لكن لو وضعنا ذلك الآن جانباً ..لخلصنا إلا أننا أمة لا تعمل ..ولا تملك إرادة حقيقية للنهوض القائم على الأسباب التي وضعها الله كـ"نواميس" ثابتة للكون. 

لنكن واقعيين .. أولاً ..كل تلك الدعوات لم تغير من حالنا الحقيقي شيء ..بل نحن من نغرق في دمائنا وجهلنا. 
ثانياً ..وهو الأهم ..يجب أن نعتقد بالأسباب ..نعم التغيير على المستوى الأممي على مستوى الحضارات لم يحصل يوماً أن تغير بـ"عصا سحرية" حتى في عهد الرسول (ص) نفسه! فكان ما يعرفه الجميع من إعداد وتقلب وتغير حالٍ ..ومن ضعف إلى تمكين حتى تم الفتح. 
ثالثاً: لا ينبغي أن تكون الأقدار هي الشماعة الدائمة لكل فشل، فكما قال أحدهم: "الأقدار لا تُعفي من المسئولية ..وإلا استعفى بها كلُ طاغيةٍ مجرم". وهذه يمكن قياسها على كل نتيجة جيدة أو سيئة بلغتها في حياتك، دون الحاجة إلى الشماعات. 
أخيراً: أحد أهم فوائد "الإيمان" بالأسباب ..هي التخلص من آفة متجذرة للغاية ..آفة الحسد ..والنظر لما في يد الغير، وبغضه لذلك مع تمني "فشله" ..! 
والسبب من وجهة نظري في هذا المرض هو فكرة إقصاء الأسباب كمحرك رئيس وضعه الله في الكون. فمن ذات النظرة السحرية، يسخط البعض من منطلق أن الله قد منح فلاناً ..ومنعه! ولو أن العقل والنظر في الأسباب كان له الغلبة في مثل هذا، لكن أجدر أن ينظر لأسباب نجاحه فيحتذي ..أو يُفكر بطريقة مماثلة أو مشابهة ..أو أضعف الإيمان ..أن يعمل ..وأن ينظر هل أسبابه مماثلة لأسباب "المنظور إليه" فيصل لذات النتائج المأمولة..أم أن لكل منهما همّة ..وقدرة؟! 

الآن ..قد يسأل البعض ..وهل بقي في ذلك من التوكل شيء؟! 
نعم ..بقي كله ..إيمانك أن الكون قائم على الأسباب ..هو إيمان حقيقي وواقعي بحد ذاته. ثم إن السنن الكونية اقتضت كما ذكرت أن تكون الأسباب هي الحَكَم في تغير الأمم والحضارات ونهوضها..أما على صعيدك الفردي ..حينما "تعقلها وتتوكل" ..فسيجعل الله لك مخارج وفرج لم تكن تحسبه ..حتى وإن فقدت غايةً عزيزةً بذلت كل الأسباب في وصولها وحال دون ذلك أسباب خارجة عن نطاق فعلك وتأثيرك..فهنا يكمن "التوكل" و"الرضا" الحقيقين". 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More