تعديل

‏إظهار الرسائل ذات التسميات ملوك الطوائف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ملوك الطوائف. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 10 فبراير 2017

عين على ملوك الطوائف ج2 ..شخصية المعتضد بن عبّاد






عادةً ما أتبنى رأياً بأنه لا ينبغي أن نستقي المعلومات التاريخية من الأفلام والمسلسلات، لأن الحبكة الدرامية تتطلب أحياناً اختلاق وقائع لم تحدث. لكن مع ذلك لا بأس من محاولات الفهم المنطقي لتسلسل الأحداث ..حتى ولو لم تتوفر القاعدة المعلوماتية التاريخية الكافية للتدقيق في المسلسل ..فلا بأس من نظرة الناقد الفاحص ..

ومن ذلك ..على سبيل المثال ما يتكرر في المسلسلات التاريخية من أفكار كنبوءات المنجمين أو هواتف في المنام تُنذر بأحداث مستقبلية ..وهي خوارق لم نجد منها في واقعنا ..وفي ملوك الطوائف حدث ذلك في موقعين ..
الأول ..حينما حذّر أحد المنجمين ..المعتضد بن عبّاد من أن ملكه سيزول على يد أحد أبنائه من أُناس يأتون من المغرب ..وهذا قبل سنين عديدة من حدوثه ..قد تصل للثلاثين أو أكثر حسب المسلسل ..

أما الثانية ..فهي التحذير الذي وقع لابن عمار بهاتف في المنام ..بصوت يقول له: 


وهذه "البهارات" التاريخية تكررت مسبقاً ..كما في مسلسل أبو زيد الهلالي ..حينما كانت تتكرر رؤية الغراب الذهبي -على ما أذكر- وإن كانت تشفع لفكرة أبو زيد الهلالي كمية الأسطرة التي وقعت على الشخص ..مما يجعل النظرة إلى مسلسله نظرة "فانتازيا" أكثر من كونها تاريخية. 

على كلٍ .. نبدأ التحليل بطريقة الشخصيات ..



أبو القاسم ..أول ملوك بني عبّاد ..على اشبيلية فيما عُرف ابتداءً وقتها بحكم الجماعة ..لم يطل دوره في المسلسل ..لكنه بدأ فعلاً التوجه التوسعي ..وأقرّ على المعتضد آراءه في أكثر من موضع، مما يعني أنه كان بوابة ابنه لما حدث بعد ذلك، فقد كان يحمل ذلك في جيناته كما يبدو! 


الداهية ..الطاغية ..المعتضد بن عباد ..
يتلاعب بالجميع ليصل إلى أهدافه ..وكأنه يمارس السياسة بقواعد العصر ..أو بميكافيليتها الخالصة .. 
لا يتورع أن يقتل كل من يعترض طريقه ..أو يُهدد حكمه ولو من بعيد ..حتى إنه بدأ بجماعة والده ..أبو القاسم بعدما تُوفي ..فقتل زعيمهم حينما بدا له تأليبه للناس ..بعد أن قضى بنفيه ومن معه ..! 
ولم يكن آخراً أن قتل ولده البكر وقائد جنده، إسماعيل، بيديه حينما تآمر عليه وأراد قتله "احترازاً" منه على روحه ..فكان الداهية هو الأسبق! 
لكن مع ذلك ..أرى أنه لعب السياسة بقواعدها فعلاً ..وهنالك العديد من الوقفات التي تحدث فيها عن رؤيته للسلطان ..والحكم ..والسياسة ..أقتبس منها ..




ومنها: 

"عيب ابن حمود لم يكن في أنه كان يطلب توسيع مملكته والاستيلاء على قرمونة، ولكنه كان يطلب ما يطلب ..والحق يدور مع الغلبة ..والحال في الأندلس الآن أنه لن يقنع أمير قوي بحدود مملكته ..فإما أن تأكل أو تؤكل ..تلك هي القاعدة" 

"وغاية كهذه لا تتحقق بالقوة ..والوسيلة جيشٌ عظيم وسياسة حازمة لا تهاون فيها ولا تراخي ..وليس عندي منزلة بين المنزلتين ..فإما أن يكون الرجل معي ..أو علي!" 

وفي مشهد مع ولده، وهو يراجعه بأنهم قد قسوا كثيراً على أهل مدينة ما ..بعد أن شددوا عليها الحصار ..ألقى عليه المعتمد نظريته في السلطان والملك قائلاً في حوار دار على النحو التالي: 

- "هذه هي القاعدة ..لا تترك عدوك يهنأ في مقامه ..كلما رجعت عنه عاودته ..حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت"  

- "ولكن يا أبتي ..هل يجب أن نثابر على إتلاف الزرع والضياع وتخريب القرى وترويع أهلها" 

- "كأنك قد خرعت" 

- "إنما يخرع الرجل ممن يخاف يا أبتِ، ولكني أشفقت على ضعافهم من كثرة ما لقوا منا" 

- " الشفقة لا أسمعك تنطقها ..فهي لا تصلح للسلطان، ولو كنت سأشفق على أحد ..لكان حرياً بي أن أصرفه لولدي ..فلا أقدمه على عسكري في الحرب، ولكنها سنة السلطان، مغارمه على قدر مغانمه، وأنا أريد أن أورثكم ملكاً عظيماً. 
يسمونها أطماع، وهل اتسعت الدول إلا بالطمع، ثم تُصاغ لها المعاني الجليلة كالفخر والعزة والمجد والقوة.....ومن ينزل عن ملكه حبّاً وكرامة ..رضا الناس غاية لا تدرك، ولكنني لا أطلب الرضا ..بل أطلب الرهبة ..احفظها عني يا إسماعيل ..احفظها" 

ومن أبرزها كذلك ..

"ويُقال طاغية ..! هل يجب أن أسلم عنقي لأعدائي حتى أتبرأ من هذه التهمة ..؟! وليكن طاغيةٌ حي منتصر ..ولا موادع ميّت" 

أما أغرب ما كان ..هو إثبات أنه مهما طغى الشخص، يبقى في قلبه نقطة ضعفٍ قد يؤتى منها ..وهو ما حدث للمعتضد حينما توفيت ابنته فاطمة ..فأقام على قبرها وقد تفطر قلبه وزهد في الملك والحياة! 

والغريب ..النادر أن يعترف الطاغية ويُقر بسوداوية سيرته ..فيقول وهو على قبر ابنته: 





أخييراً ..سُئل ابن زيدون، وزير المعتضد ومستشاره بعد وفاته ..كيف استطاع أن يصمد مع المعتضد كل تلك السنون دون أن يفتك به، فقال قولته الشهيرة: 
"كنتُ كمن يُمسك أذني الليث يتقي سطوته، تركه أو مسكه!"

وأنشد يقول: 

لقد سرنـــــــا أن الجـــحيم موكــــلٌ *** بطاغيـــةٍ قد حمّ منه حمامُ
تجانفَ صوب المزن عن ذلك الصدى ** ومر عليه الغيث وهو جهامُ
  
لم أكن أتوقع أن يأخذ الحديث عن المعتضد والاقتباس كل تلك المساحة لكنها شخصية تستحق التوقف ..ولتجنب الإطالة ..أُكمل التحليل والنظر في الشخصيات في مقالات قادمة .. 




الأحد، 5 فبراير 2017

عين على مسلسل "ملوك الطوائف" .. ج1






ملوك الطوائف، أيقونة في المسلسلات التاريخية ..كما توقعته منذ أن شاهدت إعلانه أول مرة عام 2005! 
منذ ذلك اليوم ..وأنا أتوعده بالمشاهدة، ولم أفعل إلا هذا العام!
ربما لأن لي عادة لا أحب مخالفتها في المسلسلات التاريخية، وهي قراءة ولو جزء من الحقبة التي تتحدث عنها ..وقد فعلت منذ أعوام لكني أيضاً لم أشاهده ..
كان الدافع الخاص لمشاهدة المسلسل، معضلة في الحكاية، ومشهدان من الذاكرة .
أما المعضلة ..فهي أن ما رسب في ذاكرتي مما قرأته وسمعته، أن المعتمد بن عبّاد استنجد بالمرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين لنصرته على الروم، ثم نُفي ابن عبّاد إلى أغمات في المغرب ..هذه الحكاية لم تكن تحمل أي منطق خصوصاً مع ورود العبارة الشهيرة على لسان المعتمد: "لئن أرعى الجمال عند ابن تاشفين، خير لي من رعي خنازير ألفونسو في قشتالة" ..
كان التساؤل ..لماذا جزاؤه النفي وحياة الفقر والفاقة ..كأقل ..أو ربما أدنى من أدنى رجال العامة؟!! 

أما المشهدان ..فأحدهما من إعلان المسلسل نفسه..والآخر من مقطع عابر.. ما زالا يذكرانني بأنني يجب أن أشاهده ..
الأول ..علقت فيه في ذهني عبارة هزتني كثيراً، كنتُ أذكر منها ما نصّه: 
"لو كانت الملوك على قدر المواهب ..لكان أحق الناس بالملك ابن ......" والاسم كاملاً لم يكن يومها متضحاً تماماً ..فكان دافعاً لأتعرف على ذلك الموهوب ..لأعرف ميّزاته ..

أما الثاني فهو مشهد للممثل المغربي محمد مفتاح على جسر خشبي يؤدي شيء من رقصة الفلامينكو -الإسبانيولي- وقد استوقفني يومها لأنني لم أكن أعتقد أنها قديمة إلى هذا الحد ..إضافة لرغبتي في معرفة أصولها إن كانت أندلسية ..أم أن أهل الأندلس أخذوها عن "الفرنجة"! 

واستباقاً للنتائج ..كان المشهد الأول فعلاً في المسلسل ..لكن كانت العبارة الدقيقة ..






أما المشهد الثاني ..فانتهى المسلسل دون أن يكون فيه، فبدا لي أن المشهد العابر الذي رأيته كان في مسلسل آخر ..وتخميناً جديداً أنه في "ربيع قرطبة" ..لأن طاقم التمثيل مشترك بشكل كبير ..وهو المسلسل الذي بدأته فعلاً .. 
أما المعضلة ..وتفاصيلها ..فسيأتي نقاشها لاحقاً ..


كنتُ أعتقد أن المسلسل يدور حول فترة المعتمد بن عبّاد بشكل كامل ..لأنه عادةً ارتبطت قصة ضياع الملك ..وانتقاله إلى المرابطين في المغرب بحقبة المعتمد ..لكن المسلسل يبتدئ قبل ذلك بزمن ..ويبدأ من حقبة جده أبو القاسم ..حيث تكون فترة ما عُرف بـ"حكم الجماعة" ..ومع ذلك كانت السطوة العليا لبني عبّاد ..لمكانتهم ونسبهم ..

الملفت أن يشترك عرف الماضي والحاضر في محاولة طلاب الملك والرياسة الدائمة الحصول على شرعية يستخدمونها كمطية للوصول ..كفكرة الخلافة أوالنسب إلى آل البيت ..أو تحكييم الشريعة أو وحدة الأمة وخلافه من الشعارات التي ما رُفعت .. إلا لتُخالَف بعد أن تتحق غايتهم في الوصول للكرسي! 
وهذا المقطع يحكي شيئاً عن هذه الفكرة ..في تلك المرحلة ..





الشخصية الملفتة في تلك الفترة وما تلتها كانت شخصية "المعتضد بن عبّاد" ..والد المعتمد ..وما أسهل أن يذكرك بالسياسة في هذا الزمن ..تفعل كل شيء من أجل السطوة والسلطان ..وتوطيد الحكم وتوسعته ..
فهو رجل يفهم كيف تفكر العامة ..فيستعين بفكرة "شبيه" للخليفة المفقود ..هشام ..المؤيد بالله ..ليفتح باب لشرعنة فكرة توسع بني عبّاد من إشبيلية إلى ضم باقي الممالك ..كهدف منشود ..
وهو رجل يُدرك طبائع السلطان ..وعقباته ..فلا تأخذه العاطفة لحظة واحدة في قرار قد يزعزع أركان الملك ..فتصل به الأمور إلى قتل ولده بيديه! 

في الحقيقة ..قد يبدو ذلك مهولاً جداً ..لكن لو نظرنا إلى السياسة وتمكين الدول في فترات صعودها بالأخص ..ففكرة المبادئ في السياسات الخارجية غير مطروحة على أجندة أي من الدول ..فحلفاء الأمس ..أعداء اليوم ..والعكس ..ولذلك تفشل الدول العربية وحركات الإسلام السياسي التي وصلت إلى الحكم في "لعب" السياسة بقواعدها مع العالم ..بل تكون دائماً لقمة سائغة .. 

في خضم المسار السياسي الحافل في المسلسل ..يسير معه بالتوازي خط أدبي جميل ورائع ..يبرز فيه بشكل خاص الشاعر "ابن زيدون" صاحب المكانة والحظوة عند أصحاب قرطبة لما له من مساهمة في توطيد ملكهم ..وتطفو بالطبع قصة غرامه بولّادة بنت المستكفي ..ابنة الخلفاء .. 

فيُضفى على المسلسل جو أدبي رائع ..ورائق ..وأنيق

كانت هذه المقدمة ..في المقالات القادمة نناقش مقتطفات على خطين أساسيين ..السياسي ..والأدبي ..وبشكل أكثر تركيزاً ..







Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More