تعديل

السبت، 19 أغسطس 2017

البدائع والطرائف تحفة جبران خليل جبران



كم ترك الأديب الكبير نفسه على سجيّتها في هذا الكتاب ..الذي جمع فيه ألواناً متعددةً من الأدب ما بين المقالات، الخواطر، الشعر، الرسم حتى المسرحية والقصة القصيرة ..
وكأني به قد خصص ركناً في خلوته التي اقتطعها لقلمه ..ووضع فيها محبرته وأوراقه ..
فجعل من هذه الزاوية وذاك المحراب خلوةً للخلوة ..وصفوةً للصفوة ..يتلقى فيه وحي قلمه ..ويصطاد من خاطره في كشكوله ما تفيض به روحه ..فخرج بهذه البديعة ..

أودع فيها من السياسة والأدب ..وما أهمّه من أمر وطنه لبنان ..وحاله الذي يتلاعب به الساسة -لا يدري رحمه الله أن الكارثة ستمتد بعده إلى وقتنا هذا- فتجلى قهره في مقال: "لكم لبنانكم ولي لبناني" فخرج في أروع ما يكون من تعبير للعربي عن حاجته لوطنه ..وضيقه بأفعال الساسة .. 

وضع فواصله بين المواضيع المنوّعة من رسوماته بريشته لشخصيات تاريخية كالمتنبي والخنساء وابن خلدون وغيرهم ..




قبل هذا الكتاب بفترة بسيطة ..كنتُ قد تعرضت لقصيدة ابن سينا في النفس ..وعلى إثرها قرأت كتاب عباس العقاد عنه "الشيخ الرئيس" والتي لم يفت جبران أن يتعرض إليها ..بكامل إعجابه واعتناقه لها بمعانيها العميقة ..
لم يُخالف الدارسين في الثناء على عمق ابن سينا غير المسبوق ..بل وربما غير المتبوع ..فقد بلغ خفايا الروح عن طريق المادة ..
يقول جبران: 
"وليس من الغرائب صدور هذه القصيدة عن وجدان ابن سينا وهو نابغة زمانه، ولكن من الغرائب أن تكون مظهراً لرجل صرف عمره مستقصياً أسرار الأجسام ومزايا الهيولي. فكأني به وقد بلغ خفايا الروح عن طريق المادة وأدرك مكنونات المعقولات بواسطة المرئيات، فجاءت قصيدته هذه برهاناً نيّراً على أن العلم هو حياة العقل يتدرج بصاحبه من الاختبارات العملية إلى النظريات العقلية، إلى الشعور الروحي، إلى الله" 

ثم راح يُقارن ما أجمل ابن سينا في قصيدته، مع ما تفرّق في آراء الفلاسفة والمفكرين من بعده من أمثال شكسبير، تشلي، غوته، برانن، فوضع ابن سينا في قصيدة واحدة ما تقطع على أفكار في أزمنة مختلفة. 




وكان مما عرّج إليه أيضاً في كتابه، رأيه في اللهجات العاميّة ..وهل يجب أن يهجرها الناس للفصحى ..فتحدث بالأمثلة حول أنه لا يرى الضرورة التاريخية لذلك، إذا أن أدباء أبدعوا بالإيطالية الحديثة التي كانت تُعتبر عاميّة بالنسبة إلى اللاتينية المنقرضة ..
تحدث عن أن العاميّة تُهذب نفسها ..وتتخلص من الغث وتضع السمين وقد يُوجد أدب حديث بها دون خجل من ذلك ..
نظريته في وقته كانت له ما يؤيدها من قرائن وشواهد ..لكنه للأسف لم يُدرك زماننا الذي أصبحت فيه العامية وما تُستخدم له من فن أو أدب تتربع على عرش الابتذال والنحدار .. 
ميا ليته يعلم ..أنها -العاميّة- حقاً تحوّرت .. وتهذبت .. فخرجنا بمصطلحات وإبداعات فنية على طريقة .. "أديك في السقف تبحر"! و "أديك في الحارة سيجارة"! 
إي والله ..سقطت ذراعنا ..وما عدنا نقوى على التقاطها! 



من جماليات ما تطرّق إليه هو مسرحية إرم ذات العماد ..التي غاص فيها بين الشواهد المادية ..والقوى الإيمانية التي تصل بالمرء إلى كنوز الروح إن هو أيقن بها حق اليقين ..




ختم كتابه بمتنوعات متعددة من شعره ..الذي اعتمد فيه على تنوع القافية في كل بيتين أو ثلاثة بطريقة جمالية في انتقالية اللحن ..وهذه إحداها .. 





الكتاب جميل ..ويمكن قراءته بشكل متقطع إذ لا روابط تجمع موضوعاته ..
قراءة ممتعة .. 

الأحد، 13 أغسطس 2017

عين على الباهي ..عروة الزمان




عروة الزمان الباهي ..محمد فال أباه الذي عُرف بالباهي ..

سمّاه منيف زوربا العربي .. وقد أجاد التشبيه حقاً إلى حد ما .. 

في الحقيقة ..لم ينتهِ إليّ ..أن رجلاً كتب عن رجلٍ عاصره بهذه الحماسة ..وبتلك القوة والإعجاب الذي لا يُقارن! 

تحدث عبد الرحمن منيف بإسهاب عن نضال الباهي ..منشأه في شنقيط وتاريخه ..

مغامراته ..انتهاؤه في باريس ..صراعه بالفعل وبالكلمة ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر ..وتحشيد الرأي العام الفرنسي لدعم التوجهات التحررية للشعب الجزائري العظيم ..

ما توقفتُ عنده كثيراً وأصابني بالكآبة الحقيقية ..هو عندما عرّج منيف عمّا حدث للباهي من صدمة ..حينما بدأ صراع الثوار الجزائريون مع بعضهم البعض ..حتى قبل أن توضع الكعكعة على الطاولة ..! 

بدأ حاملوا السلاح يدعون الفضل لهم وحدهم وهم الأحق بالإرث ..وفي مواجهتهم أرباب الكلمة والرأي والصراع السياسي ..ثم احتجّ الأسرى والمعتقلون ومناضلوا السجون ..ليتبعهم من ناضل لإخراجهم ..ليكون صراعهم دمويّاً ..وليكتئب الباهي ويعود أدراجه إلى باريس ..التي تُحبب إلى قلبه مع الوقت ..ويحاول أن يزرع شيئاً من التهدئة من خلال مقالاته التي كان يرتقبها الجميع

المُحبط ..أن العقل العربي مصاب بهذا الداء في كل وقت ومكان كما يبدو، وهذا ما عوّل عليه الاحتلال الإسرائيلي حينما انسحب من قطعة الجبن الصغيرة جداً -غزة- ليترك للعقلية العربية دورها في أن تتكفل بخوض الصراع على هذا الفتات وتنسى الكعكعة الأكبر ..وتنسى القضية الأهم ..بل وتنحدر إلى صراع داخلي سقيم ما زالت آثاره تكوي في الشعب الفلسطيني حتى تاريخ كتابة هذه الكلمات ..! 

الباهي ..شخصية عميقة ..وعفوية ..
أرتبط مع تلك الشخصية بشكل رئيسي في خصلتين ..
الأولى أنه مولع بالشعر ..وليس بشاعر ..
والثانية ..أنه كثير التأجيل لمشاريع ينوي أن يقوم بها ..ومات ولم يفعل! 

الجمعة، 28 يوليو 2017

لمحة عابرة على رواية: "الجحيم" ..لدان براون ..





لا أدري كيف يمكن الكتابة لتوفيّة هذه الرواية حقّها ..
هي تُحفة ..تحفة أدبية ..وفنيّة ..وتاريخية ..وسياحية ..ومعمارية ..!
نعم ..جمعت كل ذلك معاً ..

فمن الناحية الأدبية ..والسرد الروائي، تميز الكاتب في التنقل والتأرجح بأحداث الرواية ..وكأنها سيمفونية تعلو وتهبط ..يشتد الإيقاع ثم يتباطئ ليعود للذروة مرةً أخرى ..

إضافة لذلك ..فقد جمع فيها ألواناً مختلفة من الروايات ..عنوانها الرئيس هو الغموض ..وتفاصيله الفرعية تحتوي على الرموز الفنية والمعمارية ..المغامرة ..النفس الإنسانية ..العقل المتقد ..اللامع ..أين ممكن أن يذهب بصاحبه في أجواء الجريمة بقواعد لعب علمية على طريقة البروفيسور موريارتي في روايات شيرلوك هولمز.

وهي فنيّة ..إذ لا يخلو فصل من فصولها تقريباً من ذكر للوحة أو نقوش ..وهي في الأساس قد قامت على نص الكوميديا الإلهية لدانتي أليغيري ..وعلى لوحة الجحيم لبوتاتشيلي .. الترجمة الفنية للنص، وفيها إشارات متعددة كما ذكرت للكثير من اللوحات والأعمال البارزة لرواد في الفن، كلوحة فاساري في قصر فيكيو ..التي كانت أحد المفاتيح الهامة في أحداث الرواية ..

وهي تاريخية ..إذ لا يمكن أن يمر ذكر لشخصيات غابرة ..عاش أغلبها في حقبة القرون الوسطى ..دون أن يترتب على ذلك الكثير من الإشارات التاريخية ..لأحداث أو شخوص ..من ملوك وفنّانين وغير ذلك ..

وهي سياحية ..إذ تجعل القارئ مشدوهاً بالوصف الدقيق الذي يُقدمه الكاتب لكل معلم يرد ذكره ..لكل طريق ..جسر ..حديقة ..كاتدرائية ..كنيسة ..مسجد بطريقة تشد القارئ وتُبهره ..وتجعل أحد أحلامه هي زيارة هذه الأماكن ..وقد كانت جولات الكاتب في ثلاث مدن: 
فلورنسا ..مهد الفنون والأدب..

البندقية -فينيسيا- المدينة العائمة التي يكفي وصفها بهذه الصفة لأن يجعلها حلم كل من يسمع بذلك، ناهيك عن المباني التاريخية ..

أسطنبول ..حاضرة الشرق والغرب ..التي جمعت بين ربيع بيزنطة ..وامبراطورية العثمانيين ..فأخرجت مزيج ما زال يُدهش العالم..

أخيراً معمارية..لأن الكاتب أسهب وأبدع في وصف في التفاصيل المعمارية لكل معلم بطريقة رائعة ..وقد تكون مُلهمة حقاً للمهندسين والمهتمين بدراسة إحداها على الأقل  بعد أن ينتهي من الرواية..
فقد كان يصف المعلم بتفاصيله، شكله، أعمدته ..أقواسه ..مداخله..سراديبه ..الفسيفساء ..النقوش ..وأحياناً يُبدي رأيه على لسان لانغدون بطل الرواية..وهو ما ينم عن خبرة عميقة لدى الكاتب ..

المزيج أعلاه هو العناوين الرئيسة ..تحتها تفصيل يستحق أن يُخاض غماره ..

كنت سأذكر أنني أتمنى لو أن يتم تأديتها في عمل سينمائي ..لكن تفاجأت أثناء بحثي عن صورة للمقال بأنه قد تم تمثيلها فعلاً في فيلم لتوم هانكس ..بعنوانها الأصلي بالانجليزية Inferno ..
وفي لحظات كتابة هذه الكلمات ..تتم عملية التحميل ..لتتويج القراءة بالمشاهدة ..رغم قناعاتي التامة أن الروايات هي الصورة الأكمل والأجمل للعمل الفني من الأعمال السينمائية التي تقتضب وتقتضم الكثير في طريقها .. 

قراءة ممتعة .. :) 

الخميس، 13 يوليو 2017

مراجعة كتاب "الشيخ الرئيس" لعباس العقاد ..







نعم ..قيّمته بالخمسة نجوم ...

فعلتُ ذلك رغم المعاناة التي استغرقها مني هذا الكتاب في محاولات فهمه ولمّ تراكيبه ..! 
وكنتُ لأفعل ذلك دون قرائته حتى ..بمجرد أن يكون كاتبه العقاد ومحتوى حديثه عن الشيخ الرئيس ابن سينا ..
حقيقةً ..لم أكن أعرف الكثير عن ذلك المبدع ..العقل الذي لم يتكرر -ابن سينا- سوى من الإشارات البسيطة أيام الدراسة ..
أما قيمته الفلسفية ..وقامته العلمية ..فأوقفني هذا الكتاب على كثير من ومضاتها ..
تخيّلوا أن الشيخ الرئيس الذي اشتُهر بين أوساطنا بتفوقه وبراعته في الطب، كان يرى الطب علماً سهلاً ..وبلغ فيه مرتبة المبدعين وهو ابن الحادية والعشرين، حيث عالج ابن الأمير، وكان له صيتاً ..
على هامش الكتاب في نهايته، في نهايته يذكر العقاد بعضاً من حذاقته في الطب، واستخدامه للحلول التي تنضوي على ذكاء باهر ..! 
أما موضوع الكتاب الرئيس ..فهو الحديث عن فلسفة الشيخ الرئيس ..
ابتدأ العقاد من الحديث عن مكان نشأته، وعن الفلسفات التي أثرت في ذلك المكان في ذلك الوقت، من سقراط، أفلاطون، أرسطو، أفلوطين، الفارابي، الإسكندر الأفروديسي وفرفريوس .. والتي اعتقد أنها كوّنت أو وصلت إلى ابن سينا ..فأثرت في فلسفتها أو اشتركت معه ..وذلك ليوضح كذلك إسهامات ابن سينا وأين زاد على آرائهم ..
مع كل فيلسوف ..لخّص العقاد آراءه في: 

1- وجود العالم
2- النفس
3- الحرية الإنسانية (القضاء والقدر)
4- الخير والشر 

وفي الحقيقة ..كانت طريقة طرح مميزة ..لكن رغم أنه ملخص ..إلا أن التعقيد والصعوبة في فهم ما يُطرح كان سيد الموقف! 
معروف عن العقاد صعوبة الأسلوب والتراكيب ..فكيف إذا اجتمع العقاد مع النقل الفلسفي ..!!! 

بالتأكيد هذه العناوين هي العناوين الرئيسة لأي نقاش فلسفي ..قديم ..ولفت انتباهي أن كثيراً منها كان مبنيّا على رؤية قديمة للعالم والأفلاك ..التي كانوا ينظرون إليها على أنها عقول سيّارة في الكون، لأجد أن العقاد قد علّق على هذا الأمر وأدلى بدلوه في آخر الكتاب .. 

من فلسفة ابن سينا التي ساقها العقّاد ..لفت انتباهي أنها تقوم على شيء من القسرية في الوجود ..وجود الإنسان
يقوم مذهبه في العالم ..وبالتالي في الحرية الإنسانية ..على أن الأشياء "ممكنة الوجود" سبقت في علم الله فأصبحت واجبة الوجود ..بغيرها 
فهي إذن ممكنة بذاتها ..واجبة بغيرها ..أو بين مزدوجين بإرادة غيرها 
ومعنى هذا أن لا خيار للإنسان في وجوده ..ولا خيار له فيما يُبدى من أحداث يعيشها ..أو يقوم بها .. 
يقول ابن سينا في رسالة المعاد: 
" إن مجيئنا إلى هذا العالم لم يكن باختيارنا وإرادتنا ولكن جئنا وبالقهر نمكث وبالقهر نخرج وإنما
جئنا بها للتمحيص والتطهير"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الأشياء الغريبة التي لفتت نظري في الفلسفات القديمة ..أنها كانت تملك فكرة تقسيم الكائنات العلوية إلى مستويات من العقول ..فيقول العقاد في شرح هذه الفكرة عن ابن سينا ومن سبقوه في نفس القول:

"فالمحرك الأول قد صدر عنه محرك الفلك الأعظم، وهو العقل الأول.
والعقل الأول صدر عنه الفلك الأعظم والعقل الثاني.
وهكذا إلى العقل التاسع، ثم العقل الفعال وهو العقل العاشر الذي يسيطر على
العالم الأرضي وما تحت فلك القمر، وعنه تصدر النفوس والأجسام في عالم الإنسان." 

وهي رؤيا تتفق من وجهة نظري في المنظور القديم للعالم والسماوات والأفلاك كما تقدم الذكر ..حيث تنظر للكون على أنه سماوات سبع كالطبقات ..وهو ما يُخالف بالتأكيد ما كشف عنه العلم الحديث ..ولهذه النقطة عودة مع رأي العقاد في نهاية الكتاب .. 

ولا يمكن أن نحكي مما حكاه العقاد عن مذهب ابن سينا ..دون أن نُشير إلى رؤيته للنفس .. 




يرى ابن سينا أن النفس صدرت عن كيان علوي طاهر ..وأنها هبطت إلى الحياة المادية والعالم الإنساني فتلوثت بنقص المادة، فأصبحت النفس في سجنها الجديد المكبّل بالنقص في صراع ومحاولة مستمرة للعودة للمعارج العليا التي هبطت منها ..رغم أنها في بعض أحيانها تغفل عن ذلك بسبب انجذابها لشهوات الجسد التي تجرها للعالم السفلي ..
يقول ابن سينا في قصيدة من أروع ما قرأت ..حول النفس ..

هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ
وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّـــعِ
مَحْجُوبَةٌ عَنْ مُقْلَةِ كُلِّ عَارِفٍ
وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِ
وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرُبَّمَا
كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفَجُّعِ
أَنِفَتْ وَمَا أَلِفَتْ فَلَمَّا وَاصَلَتْ
أَنِسَتْ مُجَاوَرَةَ الخَرَابِ البَلْقَـعِ

وللقصيدة بقية يمكن العودة إليها .. 

في نهاية الكتاب ..يُعرّج العقاد إلى مهارته في الطب كما ذكرت ..وبراعته في الأدب ويذكر كيف كان موقفاً واحداً سبباً لانكبابه على اللغة لثلاث سنوات حتى فاق ذلك الرجل الذي نفى عنه إمكاناته اللغوية في أحد مجالس الأمير ..

ثم يُدافع العقاد عن عقيدة الشيخ الرئيس ..وأنه كان مؤمناً ..ويناقش ما نُسب إليه من أشعار في مناجاة لعطارد وخلافه، وأنها نبعت من فلسفاته ونظرته لفكرة تدرج عقول الأفلاك العلوية ابتداءً .. 

في نهاية الكتاب ..يُدلي العقاد بدلوه فيما ذكره من فلسفات ..ويُشير إلى الفكرة التي تحدثت عنها من أن تلك الفلسفات بُنيت على نظرة قديمة للعالم لا تتفق وما وصلت إليه العلوم الحديثة، لكنه يذكر ويؤكد في المقابل أن الأسس ثابتة، ويمكن استخدامها من قبل الفلاسفة المحدثين، وهو ما يحدث وحدث ..
إضافة لذلك ..ناقش العقاد ما طرحه طيلة الكتاب من آراء الفلاسفة المختلفين حول اتصال العقل والمادة، حيث قالوا جميعهم باستحالة اتصالهما

"فإنهم جزموا بأن هذا الاتصال مستحيل بغير واسطة. ونحن لا ندري من أين
جاءت هذه الاستحالة إذا كنا لا نعرف ماهية العقل على التحقيق ولا ماهية المادة على
التحقق؟ وعندنا أن القول بأن العقل يؤثر في المادة أيسر جدٍّا من القول بأن الكائنات في
وجود واحد تتألف من أصلين متناقضين أو منعزلين، وأن التأثير بينهما معدوم."

ختاماً ..ما أريد أن أذكره قد يُثير العواصف -إن أكمل أحد قراءة مراجعتي حتى النهاية - ولكن ما لفت انتباهي في كل الفلسفات هو أنها في نقاشها لباب الخير والشر، تفترض أن الخير مطلق ..وهو صادر بالضرورة عن واجب الوجود ..وعن العلّة الأولى -الإله- في المقابل فإن الشر حادث، وصادر عن العالم الذي هو ممكن الوجود ..وبه النقص ..ومحدود ..فيصدر عنه الشر كنقيض للخير في طريقه نحو الذات العليا المجردة ..والمقدسة في محاولة تحقيق الكمال ..
السؤال ..كيف افترض الفلاسفة هذه الفرضية .. ؟!

وبمعنى آخر ..وصريح:

ماذا لو بنينا على الشر ما افترضناه للخيرية ..بمعنى ما الدافع أو السبب للفرضية الأولى بأن الكون قائم في أساسه على الخير المطلق ..وأن الشر محدود ..؟ 
ماذا لو كان الإله شريراً ..؟!
من قام بتحديد هذا العرف؟ ومن يملك الحق في ذلك؟! 

هي ليست بالتأكيد أسئلة كفرية ..بقدر ما هو تأثر فلسفي بما نوقش في هذا الكتاب.. ولكن انطلاقاً من مبدأ الخير كما ذكرت ..لكن أعتقد من وجهة نظري المتواضعة أن ما تسائلت به كان يجب أن يكون المبحث والسؤال الأول .. 

حينما بدأت في كتابة المراجعة ..تصورت أنني سأكتب هذين السطرين وأمضي: 
"لم أفهم شيء ..سأعاود قراءته مرة أخرى وأعود" 
لكن حقيقةً ..تفاجئت بحجم ما كتبت ..ولم أعد للكتاب إلى مرة أو مرتين للاقتباسات التي أوردتها ..ذلك أنني لم أكن أتخطى صفحة منه دون أن أحاول أني أعي تماماً ما قيل ولو استغرقت الصفحة يوماً كاملاً ..أو اضطررت لإعادتها عشر مرات ..لا فرق ..فاستغرق كتاب من 74 صفحة ..ما يستغرقه كتاب آخر أو رواية من 400 صفحة على أقل تقدير ..! 

في كل الأحوال ..ما زال تقييمي أنني لم أفهمه تماماً ويحتاج إلى عودة مرة أخرى ..أو قراءة ما هو على شاكلته 
وحقيقةً ..أشعر برغبة في نشر هذه المراجعة ..دون مراجعة لأرى كيف ستخرج وهل ستحمل من متناقضات؟!! 

ودمتم فلاسفة :) 







الجمعة، 7 يوليو 2017

حينما ترى الفصام المجتمعي في قضية واحدة ..في دقائق معدودة!


من مظاهر الانفصام المجتمعي المثير للشفقة ..حوار كالذي دار في طريق العودة الطويل اليوم، وكميات التحليلات والآراء والقصص التي تبادلها الركاب حول المرأة، والمقاصد التحليلية وراء ما يحدث أحياناً في سيارات النقل العمومي من طلب البنت مثلاً لراكب بجانب السائق أن يتنازل لها عن مقعده، أو حينما تضع فتاة شنطتها حاجز بينها وبين راكب ..أو عن نوايا السائقين ..وحوارات وقصص حقيقةً تُخبرك عن حجم المأساة التي يعيشها المجتمع المكبوت فكرياً وجنسياً ..من كلا الجنسين ..لأن مجرد طرح هذه التفاصيل كقضايا تستحق النقاش ..يعني أننا ما زلنا لا نرى الدرجة الأولى في سلم النشوء والارتقاء نحو مجتمع نجح في التخلص من عقده ..وإرث الكبت المقيت ..



ليت الحوار توقف عند هذا الحد والإطار ..لكان أهون والله ..لكن تحولّت الدفة بعد أن عرّجوا على أن أحد أهم أزمات المرأة النفسية هي الجلوس الطويل في البيت دون متنفس ..ثم انتقل المسار بشكل دراماتيكي نحو وضع غزة الخالي من المرافق وأماكن التنزه ..وأنه السبب الرئيس أن الرجل لا يقوم بمهامه بالـ"الترفيه عن العائلة" على أكمل وجه..لينتهي الأمر بتمني الركاب جميعهم أن تتحول غزة لما يشبه أوروبا! إلا واحد استدرك الأمر بالتراجع في الأمنية ..خوفاً من استنساخ فكرة "المجتمع الأوروبي الإباحي" .. 
كنتُ سأقطع صمتي الطويل عند هذا التحول الأخير لولا أني أوشكت على الوصول ..والنزول ..ولولا يقيني بأن ما سأدلي به سيحتاج لوقت أطول لإيضاحه مكتملاً غير منقوص ..حتى لا يُحمل في غير محامله، ولربطه بحوارهم السابق الطويل .. 
الفكرة هي حينما تتمنى حياةً أوروبية كأرض ومدن وتفاصيل مبناها الحجر والشجر، وتُغفل أن العقل الذي يعتبر المرأة بحد ذاتها أزمة ..ولم تصل لمرحلة الإنسان المستقل بعد ..هو فعلاً الأزمة الحقيقية ..وأنه غير جاهز للتجربة الأوروبية التي قامت على احترام الحريّات كحجر أساس ..ومنها حرية المرأة كإنسان مستقل غير مرتبط برؤى الأب والأخ والزوج والابن ومفهوم الوصاية عليها ..المستمر إلى ما لا نهاية .. وهذا هو مربط الانفصام ..


الكارثة هي حينما تتحدث مثلاً عن الاستفادة من التجربة الأوروبية ..بعنوان عام ..فيكون تفصيل التجربة عند المستمع هو "المجتمع الإباحي" ..! وهذا في الحقيقة انعكاس لأزمة الشخص نفسه وعقدة الكبت المخيف التي توارثتها الأجيال، لأن في أوروبا أشياء كثيرة للاستفادة في الاقتصاد والمؤسسات والسياسة والحياة الاجتماعية وخلافه ..ليس ضمن هذه القائمة التي نطرحها بالتأكيد نقل التجربة الإباحية للمجتمع! 
بالمناسبة ..لأن المحور الحقيقي هو العقل ..فكثير ممن هاجر لدول أوروبية واستقر بها ..أتحفونا بفيديوهات ندم أليم وتحذير أخ لأخيه المسكين ..بأن لا ينخدع بالحجر والشجر ..لأنه لن يستطيع أن يتماشى ويتماهي مع المحيط ..وهذا يؤكد ما أشرت له أعلاه من عدم جاهزية العقل العربي لكثير من المفاهيم العصرية والحداثية لاكتفائه بتقييم المظهر عن بعد ..ابتداءً ..


الخميس، 29 يونيو 2017

ماذا يعني حكم ..؟ غزة كدراسة حالة ..

بعد ظهور المدنية وانتقال الإنسان من حالة التوحش، وحياة الجمع والالتقاط، إلى تكوين المجتمعات والتجمعات والقرى، فالمدن، ثم دول وأنظمة حكم، ظهرت الأفكار والقواعد التي تُنظّم وترسم أساليب الحكم، وتطورت منذ فجر المدنية وحتى تاريخه.

ومن أبجديات الحكم بأبسط أشكاله المعروفة في عصرنا الحالي، والتي درسها وتعلمها كل شخص مرّ بالمراحل الدراسية الأساسية، هي وجود شعب، ووجود بقعة أرض يعيش عليها هذا الشعب. ثم وجود هيئات وسلطات حكم تتمثل في شكل تنفيذي، وآخر برلماني، وثالث قضائي ..وربما أفردنا بالذكر الشكل الرئاسي لاعتبارات عربية.

ومن البديهيات أن تكون هذه الأشكال والهيئات الممثلة للحكم، مجتمعة مع الشعب في نفس البقعة الجغرافية، ترعى شئونه وتنظم حياته، وتقوم على احتياجاته، وتحفظ أوضاع البلاد الأمنية، والسياسية، وتنتشر قواتها الدفاعية المتمثلة في الجيش على الحدود وفي القواعد والثكنات لتأمين البلاد من أي اعتداء خارجي.

في غزة، الأمور لا يمكن تصنيفها أو وضعها تحت مجهر الفحص والدراسة لمعرفة كينونة وشكل الحكم، ووضعه في تعريف يجمع خصائصه فيُصبح بذلك أنموذج قابل للنقل وإطلاع الآخرين على حقيقته.




ففي هذه البقعة الجغرافية ذات المساحة الضيقة والمحدودة جداً –حوالي 365 كم- تحكم حركة حماس القطاع منذ عام 2007 بعد أن سيطرت بقوة السلاح على المقرات الأمنية للسلطة، حيث اتهمتها الأولى بعرقلة العملية الديموقراطية التي أفرزت فوزها عام 2006.

الشكل المفرز من الحكم بعد هذا الانقلاب هو حالة ليست لها أي سابقة تاريخية، على حد علمي. فالسلطة التي انحصر نفوذها الحقيقي على الضفة الغربية، استمرت قائمة على كثير من نواحي الحياة في قطاع غزة –البقعة التي فقدت سيطرتها الأمنية والعسكرية عليها- أبرزها رواتب موظفيها، مصاريف أساسية في الكهرباء متعلقة بضريبة الوقود الخاص بالمحطة وثمن الكهرباء المزودة من الجانب الإسرائيلي والمصري، والجزء الأهم والأكبر من مصاريف وزارة الصحة –العلاج في الخارج- ورواتب ذوي الأسرى والشهداء والجرحى، وخلافه من التغطيات المالية التي استمرت في توفير نفقاتها.

في المقابل، بدأت حركة حماس في عمليات استيعاب موظفين جدد، لتغطية العجز الذي حدث بالتزام الغالبية من موظفي السلطة لبيوتهم بناءً على تعليمات من السلطة، وأيضاً استمراراً للاحتياجات الطبيعية للعمل الحكومي والوظيفي. وبالتالي بدأ يتنامى جزء من النفقات تتحمل أعباؤه حركة حماس، كحركة تدير القطاع أو لنقل "حزب حاكم" لقطاع غزة.

هذه الحالة من الانقسام السياسي، والجغرافي أساساً، خلقت أمام الفرقاء خيارين لا ثالث لهما مع مرور الوقت وتعمق الفجوة، هو إما لم الشمل على أسس واضحة، وإعادة لُحمة سياسية و"إدارية" لطرفي الوطن، أو فراق لا لقاء بعده، لا بد أن يقع مهما طال الوقت. ولا يخفى على أي متابع ما حدث من محاولة لم شمل في 2014 ..انتهت بالفشل الذريع، والسبب الرئيس من وجهة نظري هو ضبابية الأسس التي تم بناءً عليها الاتفاق، إضافة لأن الاتفاق كان بمثابة تخلص من كابوس إدارة قطاع غزة من قبل حركة حماس المحاصرة مالياً، خصوصاً بعد سقوط مرسي، وتقطع أوتار العلاقات مع إيران.

في وقت سابق لهذا الاتفاق، كانت الحالة في غزة هي حالة وجود وزراء للوزارات، استمدوا شرعيتهم من حالة التعنت والتأرجح القائمة بين الطرفين بين اعتراف أو نزع الشرعية عن امتداد حكومة هنية، التي استمرت في غزة بعد أحداث 2007. أما بعد تشكيل حكومة الوفاق والاتفاق بين الطرفين على شرعيتها، ثم حالة الفراغ التي حدثت في غزة من الوزراء، دون ملئ لهذا الفراغ من قبل حكومة الوفاق، نتيجة سجالات بين الطرفين على قضايا مختلفة، أهمها رواتب موظفي غزة الذين تم تعيينهم إبان حكم حكومة هنية –المقالة 2007-2014-، كل ذلك انتهى بتثبيت هذا الفراغ في غزة، خصوصاً بعد حرب تموز 2014، وفشل كل المحاولات التي تلتها لتسلم حكومة الوفاق زمام الأمور في غزة.

كان متوقعاً مع الوقت عودة زمام الشكل الرسمي للحكم –وجود وزراء- لحركة حماس في غزة، وازدياد عمق الفجوة بين رام الله وغزة. لكن الشكل الذي خرجت به حركة حماس كان عبارة عن لجنة إدارية، يكون أعضاؤها بمثابة وزراء على الوزارات الرئيسة والمفصلية في القطاع. في المقابل حذرت رام الله من أن هذه الخطوة خطيرة سيتبعها إجراءات صارمة من طرفهم بحق القطاع، لإجبار حماس على حل اللجنة الإدارية وتسليم زمام الأمور في القطاع للسلطة الوطنية. 

مرحلة الصراع القديم الجديد بين الفرقاء هذه المرة اتخذت منحى صعب للغاية، لأن حصاده المباشر على رأس الشعب بتعميق الأزمات القائمة فعلاً في احتياجاته اليومية. حيث بدأت رام الله برفع يدها عن الكثير من الالتزامات ..أبرزها تقليص رواتب الموظفين التابعين لها منذ ما قبل 2007، تقليص النفقات الخاصة بالكهرباء، وأخيراً وليس آخراً ..تقليص النفقات الخاصة بالمرضى ذوي الاحتياج للعلاج خارج البلاد أو خارج غزة كأضعف الإيمان.

السؤال المطروح الآن ..أو الأسئلة ..

أولاً: نتفق أن الصراع اتخذ منحى يجوز تصنيفه "غير أخلاقي" ..وإن كان الهدف المعلن أخلاقي –توحيد شطري الوطن بأي ثمن- لكن الثمن باهظ، وصعب تقبله.

ثانياً: استناداً على ما ذُكر أعلاه من الشكل الطبيعي للحكم، في أبسط صوره ، يكون المصير الحادث حالياً أمر طبيعي على صعوبته، وهو أنه على الجهة التي تبسط نفوذها على بقعة جغرافية، خاصة النفوذ الأمني، والآخر المتعلق بالدفاع عن الحدود، من المنطقي جداً ..جداً ..أن تتكفل بحلّ مسألة باقي الاحتياجات الحياتية للشعب الذي يقع في نفس البقعة الجغرافية ..التي تسيطر عليها، ومن الطبيعي جداً أن لا يستمر المنافس في التوفية بأي التزامات لبقعة لا يملك عليها نفوذاً. وبالتي النهاية المنطقية، هي إما الالتزام من قبل الحزب الحاكم للقطاع ببقية المناحي الحياتية، أو تخلية ساحة "النفوذ" للجهة التي كانت تُكملها.

الآن ..هذا الرأي بالتأكيد لن يُعجب الكثيرين، والسبب من وجهة نظري هو إيمانهم بالفكرة المتعلقة بإلزام المنافس أو المخالف بأنهم على حق مطلق وعليه تأدية الواجب لهذا الحق. بمعنى آخر وانطلاقاً من هذا المنطق الأرسطوطاليسي:

-         المقاومة المسلحة واجب شرعي ووطني مقدس وهي حق مطلق لا يمكن إعادة النظر فيه (مقدمة كبرى).
-         حركة حماس حركة مقاومة إسلامية مسلحة (مقدمة صغرى).
-         إذن حركة حماس حق مطلق.

ويترتب على ذلك بالتأكيد اعتبار الخصم، وإن كان خصماً فكرياً وسياسياً، ملزَماً بالإذعان لاحتياجات ومتطلبات هذا الحق المطلق. لكن الشيء الذي أغفله أرباب هذه الطريقة من الدفاع، أنه لا يوجد حق مطلق في هذه الحياة، فكل تيار أو فكْر أو شخص يرى نفسه قد وُلد على الحق المبين، وأن على العالم اتباع طريقته لينجو في الدنيا والآخرة. ويحضرني في هذا المقام كلمات طرقت آذاني أثناء مروري من أمام مسجد، وفيه شيخ يُلقي درساً، كان يقول لحظتها: "اليهود على باطل، وعارفين إنهم على باطل وإنهم حيروحوا النار، وعارفين إنه احنا على حق ..عشان هيك ...كيت كيت كيت ..."  

حقيقةً ..لا أستطيع أن أستوعب أن يعرف إنسان ويستقين أنه ذاهب إلى النار نتيجة لخياره ..ثم يصرّ على خياره. ويحضرني في المقابل اعتراف لأحد الملحدين –وهو مقتنع بإلحاده، وهو يقول: "لو كان عندي يقين 1% إنه في نار وجهنم، كان زماني داعش، أنا أصلاً بخاف من الفار ..مش حأخاف من النار؟!"

وهذا حقيقةً عين المنطق، اتفقت أو اختلفت معه، ففكرة وقوع اليقين بعذاب أليم، ليست سهلة، وبالتأكيد يترتب عليها اختلاف لتوجهات الإنسان وخياراته.

وبهذه الأمثلة التي وإن ابتعدت قليلاً عن المشكلة الواقعية، إلا أنها توضح أن فكرة تحويل وجهات النظر لحق مطلق – حتى وإن تبيّن في الحياة الآخرة أنه قد كان صاحب الحق المطلق فهو يبقى شيء غيبي لا يصلح لمقاييس الدنيا- لا تُبرر إلزامك للمخالف بأن يُعطيك هذا الاعتراف.

وبالتالي ..الذي أريد أن أصله كختام، هو أن امتلاك النفوذ الأمني والسياسي ..والدفاعي على بقعة جغرافية ..يستلزم من مالكه الجاهزية للإيفاء بكافة التزامات المجتمع الذي يحكمه، وليس المعنى فيه مطالبة بالاكتفاء الذاتي، فحتى دول عربية "مستقلة" لا تفعل، لكن امتلاك القدرة الإدارية على توفير احتياجات الشعب دون الحاجة لمناصب إدارية أخرى خارج هذه البقعة لحل إشكاليات منطقة لا تملك عليها أيّة نفوذ على الأرض، وبالتالي تُصبح والشعب تحت رحمة تقلبات الدهر!





الأحد، 9 أبريل 2017

إما التعقل ..وإما الانتحار..



إما التعقل ..وإما الانتحار ..



لا يُجدي الكلام وكثرة الإدلاء بالدلاء نفعاً في الموجات العاتية، فهي كالصراخ في البئر الفارغ يرتد صداه على وجهك وحدك ..
ولكن رسالة ..كان لابد من تدوينها ..
لم يعد يختلف اثنان أن ما يُعد لغزة هو الجحيم بعينه، بعد انضمام موظفي رام الله مؤخراً لمن سبقوهم من موظفي غزة في أزمة الرواتب..
وهذا مؤشر لا يؤخذ بأبعاده المادية بالقدر الذي قد يحمله لما هو آتٍ من ضربة قد تكون قاضية تأتي على كل شيء!
ولذلك رسالتي في هذه التدوينة العابرة، التي أتمنى أن تصل لآذان المسئولين في غزة هي باختصار: إما التعقل ..أو الانتحار ..
في أزمنة سقوط الدول الكبرى وانهيار الأنظمة وصراعات الكبار، لا ينبغي لأصحاب القضايا الكبيرة، ذوي الإمكانات المحدودة اعتلاء الأمواج العاتية، فهي حين تجرفهم لن يشعر بهم أحد كالسمكة العابرة في معارك القرش والحيتان!
لذلك ..لا بأس من الرويّة ..ومن أخذ مواقف قد لا تتوافق والمبادئ ..فالصحابة أخذوا بالتقيّة ..وهي آية ما زالت في القرآن ..إلا أن تدعوها وتذهبوا لتأويلات الشيوخ الذي يتقلبون في رغد العيش في بلدناهم ويُطلقون الفتاوى من قصورهم العاجيّة!
يقول تعالى: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تُقاة"
لذلك ..الناظر والمستقرئ البسيط لما هو قادم، لا يحتاج لنظارّة سوداء ..لأن الواقع كفيل بتسويدها وحده ..وليس من الحكمة أبداً أن نستمر في تصلب المواقف، لتنحدر الأمور لما قد لا يُحمد عقباه من "حرب" مثلاً ..ونحن لم نتعافى من الأخيرة بعد، على بساطتها إذا قورنت بالمتوقعة!
حتى الدول الكبرى، لا تخوض المعارك بشعوب غير جاهزة وغير معبأة، فما بالكم بشعب أنهكته الأزمات بمختلف ألوانها، فأصبح أغلبه كالموتى الأحياء ..!
قد نخسر بعض المواقف ..ونكسب وقتاً إضافياً ..وساحات مستقبلية قد تكون أفضل ..وذلك أفضل من الخسارة التامة الأبدية ..فنكون كالبركان الذي ثار ..وخمد فورانه إلى الأبد.. ولم يبقَ منه إلا ذلك الخيط الرفيع من الدخان يُذكر الأقوام أنه هنا كان يقبع ثائرون ..رحمهم الله "لم يحسبوها بشكل جيد!"
فستذكرون ما أقول لكم ..وأفوّض أمري إلى الله .. 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More